الخميس، 7 مارس 2013

حكاية مع أول انسان


حكاية مع أو ل انسان

زمان... زمان قوى، كان فيه إنسان... أول إنسان، مش آدم لكن إنسان..  ولإنه لقى نفسه فجأة على الأرض بعد الطرد.. فتح باب دماغه وبدأ يحاول يحل مشكلتين... الجوع والبرد...
للأولى فكر فى الشغل، وللثانية فكر فى الونيس.... للأولى مد فتلة حيرته  وعمل من فكره نول وبدأ يغزل، وللثانية نشر فى جريدة يومية إعلان  "مطلوب ونيس".. . للأولى كان كل يوم مع كل صبح يطول توبه مسافة يوم، وللثانية كان كل يوم مع كل صبح توصل له رسالة يفتحها تطلع قدامه صفحة بيضا...
لما وصل توبه لطول البيع رفعه على أكتافه ونزل به ناحية السوق، ولما فتح يوم صندوق جواباته ومالقاش رسالته – الفاضية – قلق وحس باليأس....
فى السوق جت وقفته جنب تاجر خيش.. نزل توبه وعرضه... "يمكن يكون نصيب بضاعتى زى نصيب بضاعته"... لكن كل واحد كان يلمس التوب أو يحطه على جسمه تنتابه الحيرة.. "من إيه اتعمل التوب دا؟!!".. ويحط التوب ويمشى... لحد ما جاره – إللى لاحظ – قرب منه... سأله
- أنت عامله من إيه التوب دا؟
ومد إيده مسكه، قلب فيه... رماه وقال له
- مش هيتباع ألا للقاضى..  ماتتعبش نفسك.. هو بس إللى يعرف يتعامل مع الحيرة.
شال توبه على أكتافه من جديد ومشى ناحية بيت القاضى...
فى الطريق..  كانت مشاكله بتتجسد قدام عينيه حيرة ويأس... وقف  على باب بيت القاضى ونده... خرجت... قلبه رفرف... حَلْمُه... سألته
- عايز إيه؟
- عايز القاضى
- روح له بيت العدل
- أنا مش طالب عدل، أنا طالب رحمة
لمحت على إيده التوب... مدت إيدها لمسته.. قلبه رفرف... حَلْمُه... فردته على جسمها... "الله جميلة"... ارتاح باله..  حست بالحيرة.. سابته وتوبه على الباب ودخلت تنده للقاضى...
وقفته على الباب طالت..  ذهنه شرد منه...  قابلها فى مكان تانى.. وزمان تانى.. زى ما يكون جنة.. "الله جميلة"... لمسها.. يا ترى هتوافق، يا ترى هيوافق... وحس بصوت جى من بعيد، كأنه صوت جوا حلم، كأنه إشارة للى جى... حَلْمُه... لكن إيد خبطته، فتح عينيه.. الدنيا فيها الصبح وفيها الليل... فيها النور وفيها العتمة.. فيها الملاك وفيها الشيطان..  فيها هى وفيها القاضى مالكها.
- عايز إيه ؟ ليه ماجتش بيت العدل ؟
- أنا مش طالب عدل..
وعرض عليه التوب.. القاضى مسكه.. "آه عارفه.. كل يوم أشرب من نفس الكأس لحد ما أَتْملِى فاقفل بيت العدل وأهرب..."... قَلَّبُه... "مين هيقدر يلبسه؟!!.. مين هيرضى يلبسه؟!!".
- عايز فيه كام ؟
رجعت له تانى الحيرة، حس إنه استرد توبه.
- أنا عايز فلوس علشان آكل، وعايزها عشان البرد.
- أنا قاضى وظيفتى إنى أحكم بين الناس، أوزن وأقيس بميزان العدل... أنت جبت توب واحد.. يبقى من حقك حاجة واحدة.... فكر وأختار.
سابه القاضى واقف على بابه ودخل بعد ما حط قدامه.. كيس فلوس وصورة ليها..  لما فتح القاضى الباب الصبح علشان يروح بيت العدل، لقاه لسه واقف صاحى بيفكر... مرماش عليه السلام وسابه ومشى..
يوم، اثنين، ثلاثة........  باب القاضى بيتفتح ويتقفل من غير سلام ولا كلام، وهو واقف محتار...
"أنهى فيهم أهم..؟!!.... الجوع ولا الدفا؟!!..."... محتار... لكن مع مرور الأيام كان بيحس بجوعه بيزيد.. ببطنه بتنادى عليه... لحد ما جت اللحظة إللى  كان خايف منها... اللحظة إللى مايبقاش فيها حر فى الاختيار... لحظة فرض الاختيار..  لحظة غياب العقل قدام الجوع.. لحظة فيها حس إنه لازم يأكل دلوقتى حالا وألا... مد إيده ومسك كيس الفلوس... مافكرش، ماترددش.. رغم الآلم إللى شعر به فى صدره.. ومشى فى طريقه.. - القاضى إللى كان مراقبه من ورا بابه، ضحك.. ضحك قوى،  لإنه كان عارف الحل من أول ما رمى قدامه السؤال – أخد أكله وراح على بيته كل، فقدر ينام...
الغريب والعجيب إللى حصل بقى.. إنه لما نام، اتجسدت قدامه.. حَلْمُه.. جسم وروح.. لمسها.. قرا تفاصيلها.. فك شفرتها وحس بالدفا.