ممدوح زرق


الكاتب المصرى الكبير
 ممدوح رزق
اللعب بالفقاعات
( 1 )
حينما قذفت أختك الكبرى رواياتك البوليسية من البلكونة في إحدى نوبات غضبها الهيستيري منك، وحينما رأيت العابربن في الشارع يواصلون سيرهم دون أن يرفع أحدهم رأسه ناحية الصرخات الأنثوية الهادرة المندفعة من الضلفتين المفتوحتين بكامل اتساعهما ودون أن يلقي نظرة واحدة على جثث المغامرين الخمسة والثلاثة والشياطين الـ 13 المبعثرين من حوله؛ عرفت لحظتها أن الحياة لا يجب أن تؤخذ بجدية، وأن أول ما خُلق في المرأة هو حنجرتها.. رغم أنك خرجت بعد منتصف الليل إلى البلكونة ووجدت الروايات البوليسية لا زالت ملقاة ولم يكن هناك أحدا يمر في الشارع إلا أنك لم تفكر للحظة واحدة في النزول لاستردادها.. كان يجب عليك فقط البدء في كتابة هذه القصة:
(كانت البداية المكشوفة للخط السحري الفاصل بين ثديي خطيبته الكبيرين عنصرا أساسيا في أغلب صورها على الفيس بوك.. الخط الذي كان يطول في بعض الصور ويقصر في الأخرى ومعه تزيد وتنقص مساحة الحنان الخمري المنتفخ الممنوحة للعيون.. كانت التلميحات الهائجة التي يكتبها الرجال تحت صدرها تثير ضحكاته القوية).
* * *
( 2 )
بعد موت أمك ومرض أبيك الذي أفقده الذاكرة والنطق والحركة اختفت كل العوائق الصغيرة الهشة التي كانت تحجّم بقدر ضعيف شراسة صرخاتها فيك.. لكنك أثناء احتراقك اليومي بشتائم أختك وبمعايرتها لك على فشلك الدراسي وبطالتك وعلى طباعك المستهترة لاحظت أنها لا تطلق صرخاتها إلا وهي جالسة على أقرب كرسي للمطبخ حيث شباكه المفتوح الذي لا يفصله عن شبابيك الجيران ـ المفتوحة أيضا ـ سوى مسافات قليلة للغاية.. كنت تضحك بمرارة بينك وبين نفسك حينما تراها تبدأ أحيانا في سبابها المرتفع من أي مكان داخل البيت ثم تسرع على الفور لتجلس على هذا الكرسي لتُسمع الناس إهاناتها لأخيها الصغير وليعرف كل من في العمارة مدى قوتها.. هل كان الجيران يعرفون أيضا أن مواجهتك لها بشتائم وصرخات مقابلة كانت تتوقف فجأة لعلمك بأن ردودك عليها ستزيد من قوة ووقت دورها الأوبرالي في الحياة؟.. كنت تغلق باب حجرتك على نفسك وتسكت وتنتظر حتى تنتهي ثم تتردد كثيرا قبل الخروج من البيت خوفا من أن تصادف أحدا من الجيران.. كنت تنزل السلالم بأقصى سرعة وفي رجوعك تصعد كالهارب من مطاردة مفزعة.. لا يمكنك أن تنكر أنك فكرت أكثر من مرة في قتلها ولكن الذي منعك ليس رفضك أن تدفع روحك ثمنً للتخلص من حنجرة فحسب، وإنما كان يعنيك أيضا بقاء هذه الحنجرة في الحياة لتكون دليلا حيا وحاضرا دائما أمام عينيك على صحة الكوميديا الكامنة في كراهيتك للفناء.. عليك الآن أن تكتب سطورا جديدة في القصة:
(في حفل توقيع خطيبته لمجموعتها القصصية كان الخط السحري الفاصل بين ثدييها كريما في ظهوره من ملابسها المفتوحة وبالطبع كان متأنقا بلمعان العرق تحت الإضاءة الحارة.. كان يجلس بجوارها مبتسما وعيناه تراقبان بتهكم نظرة كل واحد يأتي إلى الطاولة حاملا نسخته ويعطيها إلى خطيبته لتوقعها.. كل واحد تمنى لو زادت كلمات التوقيع ليطول وقت وقوفه أمام كنزها المهيب، وحينما تأتي لحظة انسحابه ممسكا بنسخة موقعة يحرص على توديع ذلك الكنز بنظرة طويلة مركزة وبإحساس قاتل باليتم.
لكنهما أثناء جلوسهما على كورنيش النيل بعد انتهاء الحفل وبينما كانا يضحكان اقترب منهما شخص لا يعرفانه وطلب منه إشعال سيجارة.. أعطاه ولاعته بتلقائية وبعد أن أشعل ذلك الشخص سيجارته ورد إليه الولاعة مد يده فجأة إلى ثدي خطيبته وأمسكه بقوة ثم أسرع بالجري.. كانت يده خبيرة لأنها لم تمسك جزءا من ثديها، وإنما تمكن في هذه اللحظة الخاطفة من إدخالها تحت ملابسها والإمساك بثدي خطيبته كله ثم سحبها على الفور ومعها خرج ثديها كاملا من فتحة ملابسها.. كان من الطبيعي أن تصرخ خطيبته وتبكي، وكان من الطبيعي أيضا أن يحاول الجري وراء ذلك الشخص والشتائم تتدفق بغضب من فمه قبل أن يتوقف بعد اختفاءه وإدراكه صعوبة اللحاق به.. كان من الطبيعي أن يعود كل منهما إلى بيته حزينين جدا).
* * *
( 3 )
حينما تتزوج ستعرف من صوت زوجتك خاصة وقت عصبيتها أنها كانت ضفدعة في حياتها السابقة.. سيقترب صياحها أثناء الشجار معك بدرجة غريبة فعلا من الصوت المألوف للضفدعة والمذهل أن عينيها ستشبهان إلى حد كبير عيني الضفدعة.. زوجتك التي أحببتها سبع سنوات في صمت وعشت معها قصة حب سينمائية سبع أخرى، وخطبتها سنتين ولم تكتشف فصيلتها إلا بعد الزواج.. لن تتقيد زوجتك بمسألة الجلوس على أقرب كرسي للمطبخ التي كانت شقيقتك ملتزمة بها.. ستكون أكثر تحررا فتتعوّد أثناء صراخها فيك ومعايرتها لك على جلوسك في البيت بدون عمل واعتمادك على المساعدات الخارجية من أهلها وأحيانا من أهلك ستتعوّد على التنقل في مختلف أنحاء الشقة وتحديدا بالقرب من الشبابيك.. ذات يوم وبينما تنظر إليها ونقيقها المتشنج يمزق هواء الشقة والعمارة ستشعر برغبة قوية في الضحك وتفكر أن انتقالك من أختك إلى زوجتك ليس صدفة بالتأكيد، وأن هناك شيئا غيبيا في الكون يبعث لك شخصيا برسالة انتقامية لا تعرف سببها.. ستتمنى لحظتها فجأة أن تصاب زوجتك بسرطان الحنجرة.. لكنك بعد وقت قصير ستتذكر الأيام المتعاقبة التي لم تنم فيها عندما أخبرتك بأن شيئا بحجم حبة العدس تشعر به في ثديها.. ستتذكر اقترابك الشديد من الإغماء وأنت تنتظر نتيجة الأشعة وفرحك الجنوني حينما أخبرتك الطبيبة أنها بخير.. تواصل كتابة القصة:
(حينما عاد إلى البيت وبينما كان يفرغ جيوبه انتبه إلى الولاعة فلم يتردد في إلقاءها من النافذة.. بعد أن وضع رأسه على المخدة وأغمض عينيه لم يكن ما يعذبه مشهد ثدي خطيبته وهو في يد ذلك الشخص الذي أشعل منه السيجارة فحسب بل كان الألم الأكبر نابعا من إحساس شاحب ومبهم بالفرح.. لاشك أن دماءه كانت تغلي بعنف وشعور بالمهانة يقطّع روحه بينما رأسه المشتعل يتوسل لذاكرته تصحيح ما حدث هذا المساء وتثبيته كوهم أو استبعاده تماما.. لكن كان في داخله شيء خافت وغريب يجبره على الامتنان لهذا الاعتداء.. لذة تشبه كثيرا تلك التي يحصل عليها الخارج منتصرا من معركة ما.. كان يفرك قدميه تحت الغطاء كطفل مطمئن توجعه الضحكات المكتومة التي زرعتها الفرجة بشغف على حيلة خبيثة اصطادت بشرا لا يخصونه.. قضى فترة طويلة في محاولة التوصل لتفسير يبرر هذا التناقض لكن برز فجأة مشهد جديد في ذهنه جعله يزيح ما كان يفكر ويشعر به ويستغرق كليا في مواجهته.. استعاد عيني خطيبته لحظة إمساك ذلك الشخص بثديها.. اكتشف مصدوما أن عينيها لم يكن فيهما نظرة فزع أو ذهول بل على العكس كان فيهما ما يشبه السرور الشهواني رغم صرخاتها الباكية.. شعر أن قطارا يمر فوق جسده ببطء وهو يحاول إقناع نفسه بأن ما يسترجعه ليس إلا تخيلا خاصا نسجته انفعالات مضطربة وغامضة ولكن تأكده من صحة ما رآه بقي ثابتا.. ظل يعيد ما حدث على الكورنيش دون توقف ثم أدخل يده تحت ملابسه وبدأ في الاستمناء).

بالإصبع  الصغير لقدم أعمى
حلمت أنني قضيت ليلة في بيت إحدى الصديقات على الفيس بوك.. كان كل ما أعرفه عنها أنها جميلة وشاعرة وخفيفة الدم وثورية وتعمل صحفية بجريدة قاهرية.. طوال سنوات وجودنا على الفيس بوك لم نتبادل الحوار أكثر من أنها هنأتني مرة بعيد ميلادي، وأنني هنأتها ذات يوم بصدور ديوانها.. لم أرى في الحلم أي مشهد جنسي بيننا.. رأيتني فقط مسترخيا في سريرها، ومستمتعا بإشباع ما بعد الممارسة بينما هي تخرج من الحجرة بالروب الذي تلبسه على اللحم لتفتح الثلاجة وتشرب من زجاجة ماء ثم تعود إلى السرير.. قررنا قبل النوم أن نكتب ستاتوس رمزي واحد على صفحة كل منا؛ بحيث يمكن لأصدقاءنا المشتركين على الفيس بوك أن يستنتجوا منه ما حدث بيننا.. أحضرت اللاب توب إلى السرير، وبعد أن انتهينا أخذتها في حضني واستغرقنا في النوم.
حلمت أثناء نومي بجوارها أنني استيقظت في الصباح فوجدت جميع أصدقائنا المشتركين على الفيس بوك نائمين في كل مكان بالبيت.. حول السرير وفي الصالة وداخل بقية الحجرات.. كان كل منهم ممسكا أثناء نومه بلاب توب وصفحة الفيس بوك مفتوحة على الشاشة.. دخلت من أحد الأجهزة على صفحتي فلم أجد أي لايك أو أي تعليق على الستاتوس.. دخلت على صفحة الصديقة فوجدتهم قد غمروها بلايكاتهم وتعليقاتهم الجميلة على نفس الستاتوس كما قاموا كلهم بتشييره.. شعرت بغضب شديد ووجدت يدي ممسكة فجآة بمسدس وكان كاتما للصوت فمررت على جميع أصدقائنا النائمين مطلقا على كل واحد منهم رصاصة في رأسه حتى قتلتهم جميعا.. وجدت الصديقة تقف خلفي بعد أن استيقظت من النوم وتصرخ: عملت ليه كده؟!!!.. عملت ليه كده؟!!!… ظللت واقفا أمامها مذهولا ومرتعشا حتى سقط المسدس من يدي فاقتربت مني بهدوء وهي تبكي ثم أمسكت بيدي وقالت: خلاص، ولا يهمك.
أعادتني إلى حجرة النوم وقبلتني ثم خلعت الروب وأخذتني في حضنها إلى السرير ومارسنا الجنس بشهوة جارفة.. بعدما انتهينا وضعت رأسي بين ثدييها، وظلت تتحسس وجهي بحنان وألم ثم قالت بصوت حزين وخافت: أنا هفضل معاك على طول وهنفضل ننام مع بعض لغاية ما نموت بس بعد إللي عملته النهاردة أنا مضطرة أحذفك من قائمة أصدقائي على الفيس بوك.
رفعت عينيّ إليها مصدوما، وسألتها والمهانة تحرق دمائي: وأظن كمان هتعمليلي بلوك؟!…
هربت عينيها من عينيّ ففهمت الإجابة، ولم أدري إلا وأنا أمد كفيّ نحو رقبتها محاولا خنقها لكنني وجدت نفسي أستيقظ من هذا الحلم عائدا إلى الحلم الأول.. كان نفس السرير الذي أخذت فيه صديقة الفيس بوك بين ذراعيّ واستغرقنا في النوم لكن الحجرة تحولت إلى زنزانة داخل سجن طرة أثناء الحقبة الناصرية، وكان يجلس أمامنا على طرفي السرير عضوي جماعة الإخوان المسلمين (علي عشماوي)، و(كمال السنانيري).. لم يبدو على الاثنين الانتباه لوجودنا فسمعت (علي عشماوي) يسأل (كمال السنانيري): اتصلت بمدير أعمال (أوكا وأورتيجا)؟…
رد عليه قائلا: أيوة.. الهضيبي إداله كلمات المهرجان واتفق معاه على كل حاجة…
علي عشماوي: هي بتقول إيه الكلمات؟
كمال السنانيري: الألش لأ لأ.. البضن لأ لأ.. الفشخ لأ لأ.. لا لا لالا…
علي عشماوي: بس دي مسروقة من أغنية لحكيم؟!
كمال السنانيري: متهيألك…
علي عشماوي: طب كمّل…
كمال السنانيري: الإسلام حبيته وروحي فيه.. شايله معايا وبحكم بيه…
يقاطعه (علي عشماوي): يا عم هي أغنية (حكيم) حتى أكملهالك أنا؟!!!
كمال السنانيري: اتفضل…
يقف (علي عشماوي) على السرير ويغني راقصا: أنا حر فيه.. أجيبه ووديه.. ونفسي حد يقولي لأ…
يصفق (كمال السنانيري) ويكمل: الألش لأ لأ.. البضن لأ لأ.. الفشخ لأ لأ.. لا لا لالا…
شخرت بقوة فلكزتني صديقة الفيس بوك بعنف في كتفي فالتفت إليها لأجدها تحولت إلى أمي الميتة وهي تنظر لي بعتاب.. قالت غاضبة: ما تشخرش والأدان بيدن…
قلت لها: بس أنا مش سامع أدان…
قالت أمي: ركز وانت تسمع…
أنصت فسمعت صوت خافت لم أتبينه في البداية لكنه بالتدريج صار أكثر وضوحا فوجدته صوت (إيمان البحر درويش) يغني: في البحر سمكة.. بتزق سمكة.. على الشط واقف.. صياد بشبكة.. ونونة تضحك.. وتقول لبابا.. يا بابا هاتلي بسكوت ونوجة…
لحظتها أدركت أنني أحلم، وقررت الاستفادة من ذلك لتحقيق أمنيتي القديمة: الطيران وسط الغيوم وقت الغروب بصحبة أغنية (فرانك سيناترا) (moon river ).. رفعت ذراعيّ وأنا في السرير محاولا البدء في التحليق لكن صوت أغنية (إيمان البحر درويش) ظل يعلو دون توقف حتى فتحت عينيّ مستيقظا من الحلم.. التفت إلى السرير الآخر حيث طفلتي لازالت نائمة وبيديها الصغيرتين باكو بسكوت وقطعة نوجة.

حرب منتهية
لم يكن لديهم مكان آخر.. صارت الكنبة الخشبية وعدا إذن بتحقيق الحد الأدنى من الأحلامهم التي تثقلهم الليلة.. الإضاءة الخافتة سمحت لهم بالحصول على مكسب ملائم من الظلام فضلا عن ابتعاد الجالس الوحيد في الحديقة لمسافة مريحة.. الرجل العجوز لا يتذكر إذا ما كان قد أخبر الشاب الذي يجلس بينه وبين المومس بأنه لم ينجح أبدا في الحصول على مكان مناسب للنوم معها أم لا.. الشاب يتذكر جيدا أن العجوز أخبره بذلك.. بتلقائية دالة على التعوّد وضعت المومس فخذها الأيمن على فخذها الأيسر.. كان ذلك يعني أنه على يد الشاب التي تستعد لتحسس مؤخرتها أن تطمئن؛ فالغريب الذي يجلس بعيدا لو التفت ناحيتهم لن يتمكن في هذه الوضعية من رؤية اليد التي أمسكت بمؤخرتها فعلا الآن…
العجوز يراقب يد الشاب فوق مؤخرة المومس وفي عينيه نظرة تشبه (أنا ياما دعكتها قبلك يابن الوسخة).. لم يظهر الشاب انتباهه لتلك النظرة كما نجح في قطع الطريق على الشخرة الخافتة التي تحررت بدايتها من داخله دون أن يلحظها العجوز.. المومس تفكر في أن هناك خمسة وعشرين جنيها مضمونة وعدها العجوز أن يعطيها لها قبل رجوعها البيت…
العجوز يحاول إبعاد عينيه عن يد الشاب وإبداء عدم الاهتمام ولكنه لم يقدر فظل يتخيل إحساس تلك اليد بالاستدراة الغنية بإحكام وبالدفء الكريم لطراوتها رغم أن يده تذوقت حنان نفس المؤخرة كثيرا من قبل ويعرف جيدا أنها متاحة له في أي وقت.. لم يكن يريد الشاب أن يخسره بل على العكس زاد تمسكه بصداقة العجوز خاصة أن المتعة الآن لم تعد قاصرة على اكتشاف يده لمؤخرة المومس فحسب.. المومس تنظر في عيني الشاب أملا في استنتاج صحيح للمبلغ الذي سيعطيه لها بعد أن تنتهي يده من عملها، لكنها قررت أنه أيا يكن الرقم سيكون في النهاية إضافة للخمسة وعشرين جنيه التي لم تتوقع زيادة عنها في هذا المشوار…
ابتسم العجوز بارتباك حينما اكتشف أنه لا يرغب في تحسس مؤخرة المومس بقدر رغبته في الحصول على يد الشاب التي تمنى الآن لو استعارها منه ليمسك بها هذه المؤخرة ثم يعيدها إليه.. صارت المتعة هزلية أيضا وأصبح جسد الشاب معبرا عن هذا التمازج السحري؛ فبينما كان عضوه منتصبا بدت ملامحه كأنه يسترجع في صمت كافة النكات التي عرفها طوال حياته.. المومس تسأل نفسها هل عليها إظهار إحساس واضح بالإثارة أم أن الشاب لا ينتظر تلك الهدية منها.
شعر العجوز باضطراب في دقات قلبه مصحوبا بدوار خفيف حينما أصبح فجأة غير قادر على تذكر أين هو ولا ما الذي جاء به إلى هذه الحديقة، ولم يعد يعرف من ذلك المنهمك في أخذ مقاسات طيظ المرأة المبتسمة بجانبه.. فكر الشاب في أنه ليست هناك لحظة يمكن للواحد فيها أن يشعر بانتمائه للعالم تفوق تلك التي يعيشها الآن؛ حينما ترغب في وقت واحد أن تضاجع من تحت وتضحك من فوق.. المومس لا تدري ما الذي جعلها تسترجع الآن ما كتبه أحد أصدقائها على الفيس بوك بأن الشراميط هم الدليل الأقوى على الفشل التاريخي للبرجوازية المصرية في تقديم تبرير اجتماعي مقنع للرأسمالية.
بصر العجوز لم يعد تركيزه على يد الشاب ولا مؤخرة المومس وإنما أخذت عيناه تتنقلان بين وجهيهما بخوف كأنه تحت تأثير اختطاف غامض أخذه من القطار حيث كان عائدا من الجامعة إلى قريته، ويحكي لصديقه عن البنت الريفية التي يحبها من بعيد لبعيد؛ فأخرج صديقه خطابا وأعطاه له ليكتشف أنه جواب عاطفي من هذه البنت لصديقه تعبر فيه عن امتنانها ليديه التي اعتصرتا مؤخرتها داخل أحد الغيطان ليلا.. كان الشاب يلتفت أحيانا إلى العجوز ليتأمل نظرته التائهة المكسورة بهياج حاقد ومكتوم فتزيد قوة رغبته في الضحك خاصة وهو يفكر في أن العجوز هو الذي عرّفه على المومس وهو الذي أصر على جلوسه بينهما بل وهو الذي قال له بصراحة عالية الصوت (إلزق فيها).. تنظر المومس حولها ثم ترفع بصرها إلى السماء وتبتسم متذكرة الـ (أحاااا) الغليظة التي كتبتها تعليقا على مقولة صديقها على الفيس بوك معتبرة ـ بقدر كبير من السعادة ـ أن وجودها في الحديقة الآن خطوة في طريق التحرر التام للشرمطة المصرية التي بدأ نضالها منذ زمن لا تعرف بدايته لكنه اقترب من الوصول لانتصاره الخاص…
حينما استرد العجوز وجوده داخل اللحظة وعلاقته بتفاصيلها انشغل دون صوت وبمزيج من الندم والتوسل في إخبار الإله الذي يعبده بأن الموت الذي أصبح قريبا منه أكثر من أي وقت مضى هو الذي جعل من حرصه على التعارف بين الشاب والمومس واجبا وضرورة حتمية.. تخيل الشاب طفلة صغيرة ـ قد تكون طفلته ـ تجلس في مكان كهذا بعد سنوات طويلة ملتصقة بشاب لا يزال طفلا الآن، لكن هذا التخيل لم يمثّل تهديدا لمتعته لأنها كانت محصنة باستعادة تلقائية لحلمه القديم بأن يقدم يوما ما عرض ستاند أب كوميدي ويفتتحه بجملة (لماذا لا يضع باولو كويلو شمعة في فتحة شرجه ويسير أمامنا حتى لا يجد أي منا حجة للهروب من الاستنارة).. المومس لا تعرف هل تشعر بالإثارة حقا أم لا، لكنها على أي حال تثق بأن الشرمطة ستنتهي ـ كعنف أخلاقي ـ مع اختفاء الحياة التي تتحول فيها الشرموطة ـ كما خلقت جميع النساء أصلا ـ إلى امرأة فحسب وهذا سبب تفاؤلها بحكم الإسلاميين.
نهض ثلاثتهم ومشوا باتجاه الخروج من الحديقة؛ العجوز يفكر في موعده القادم مع دكتور أمراض الذكورة.. الشاب يشعر بالاعتزاز لقدرته على السخرية من يقينه بأنه سيجد مكانا ينام فيه مع المومس.. المومس تخبر نفسها بفرح بأن يوما آخر قد مر دون أن يعرف أحد من زبائنها أنها عذراء.
مروا على الغريب الوحيد الذي كان جالسا بعيدا عنهم لمسافة مريحة.. لم ينتبهوا أنه ميت.

إمساك الفراشة
فوق السرير ظلت (ملك) تشير بإلحاح إلى موبايلي فشغّلت لها أغنية (كان فيه فراشة صغنططة).. بدأت (ملك) ترقص كالعادة وأنا أتأملها مبتسما حتى وصلت إلى حافة السرير وخطت إحدى قدميها في الهواء.. رفعتني يدا أمي المفزوعتين من على الأرض ولم أكن أشعر بأي ألم.. كنت أصرخ وأبكي لرغبتي في الإمساك بالفراشة التي كانت تلعب مع (نيللي) في التليفزيون.. اقتربت أكثر من الشاشة هاربا من سباب أبي لأمي ولعناته للسُفرة التي سقطتُ من فوقها.. مددت يديّ الصغيرتين محاولا اللحاق بالفراشة.. تلقفت (ملك) قبل وقوعها من على السرير وأنزلتها على الأرض.. كانت أصابعي تتحسس مكان الألم الذي شعرت به الآن في رأسي بينما جرت (ملك) مع الأغنية لتحاول الوصول إلى الفراشة التي لم أنجح أبدا في الإمساك بها.

قتل فرويد
أشارت أمي بعتاب غاضب إلى الكشكول الأبيض المغلق على المكتب أمامي وقالت بهدوء حاد:
”بلاش إللي انت بتكتبه ده”…
خرجت من الحجرة وتركتني محترقا بمزيج عنيف من الخجل والغضب بعدما عرفت أنها فتحت الكشكول من ورائي وقرأت الحكايات الجنسية التي تخيلتها بيني وبين جارتنا.. جارتنا التي في مثل سن أمي تقريبا.
* * *
طلب مني غلق الباب.. كان مرتبكا وصوته خافتا على غير عادته، وابتسامته التائهة تفشل في الاكتمال وهو يقول لي: ”هناك أولادا سيئين أهلهم فشلوا في تربيتهم ولا يعرفون الله؛ يفعلون في أجسامهم من تحت أفعالا قذرة تدمر صحتهم، وتجعل ربنا غاضبا منهم.. أنا متأكد من أنك لست من هؤلاء الأولاد لأنك رجل محترم وعارف ربنا”… صمت للحظات متحاشيا النظر في عيني ثم سألني: ”مش كده؟”
أجبته على الفور: ” طبعا ”
بعد خروجي من حجرته ظللت أضحك بيني وبين نفسي كثيرا بفرح على هذه اللحظة التاريخية التي رأيته فيها لأول مرة مكسوفا ومضطربا بعدما عشت طوال حياتي عاجزا حتى عن تخيله في هذه الحالة.. أدركت أن أمي أخبرته بأنني أقضي في الحمام وقتا طويلا، ولكنني لم أفهم كيف لم يتردد أبدا من قبل في صفعي بكل قوته بسبب إهمالي في أداء الصلاة ولا يفعل ذلك حينما يعلم أنني أمارس العادة السرية.. كان كل ما تصورته في هذه اللحظة أن اكتشافه المفاجيء لتحول حمامتي إلى قضيب دفعه للتفكير في أن التحدث معي بأدب وحرص في هذا الأمر سيضع سياجا أخلاقيا حول الأحلام التي يمكن لقضيبي الاستجابة إليها.. هل كان أبي يعرف أن فشلي بعد موته في أن أكون نسخة منه سيجعلني أضاجع أمي وأختي كثيرا في أحلامي؟
* * *
أختي لا تتعلم من الماضي.. تفترض كل مرة أنها حينما ترتدي ملابس الخروج وتضع مكياجها وتحمل حقيبتها أن أبيها سيوافق على ذهابها إلى صديقتها حينما تسأله (ممكن أخرج؟).. أحيانا يوافق مع تحذيره التقليدي الصارم (ما تتأخريش) وأحيانا أخرى يرفض بمنتهى البساطة دون أن تعنيه دموعها وهي تخلع فستانها وترتدي جلابية البيت.. أختي تعرف أن أبيها كان حنونا عليها في طفولتها وأنه كان يقبّلها ويأخذها في حضنه كثيرا.
* * *
بعد سفره إلى الخارج نشأت رغبة تلقائية مشتركة بيني وبين أمي في النوم مكانه بجوارها.. كان النعاس يرفض المجيء إلى عيوننا إلا وأنا احتضنها من الخلف.. أحيانا كنت أرغب في سحب يدي من تحت ذراعها الدافيء أو التقلب والنوم في وضع آخر لكنني كنت أمنع نفسي وبحرص تام على عدم إبداء أي فعل يدل على تلك الرغبة حتى لا أقلقها أو أحرمها من الشعور بالراحة.. كنت أفتقد أبي بشدة لدرجة أنه كلما أرسل خطابا أو شريط كاسيت أظل أبكي طويلا لكنني أثناء البكاء كنت أتذكر أيضا أن عودته ستعني فقداني لمكان نومي بجوار أمي.
* * *
انتظرت أختي حتى انتهيت أنا وأبي من صلاة العصر جماعة في حجرته وسبّحنا ودعونا لأنفسنا ولأمواتنا وللمسلمين ثم أخبرت أبي بمنتهى الهدوء وعلى شفتيها ابتسامة منتصرة بأنني صليت معه دون وضوء.. ربما الذي منع أبي من ضربي والاكتفاء باللعنات والشتائم الصارخة هو إسراعه بمعاودة الوضوء والصلاة وإضافة ركعتين تكفيرا عن هذا الذنب الذي لم يكن له يدا فيه.. نظرت في عيني أختي باحثا عن سبب فضحها لانتقامي السري من أبي ردا على إجباري على الصلاة معه.. رأيت تأكدها المؤلم بأنني لم أعد الطفل الصغير الذي كان ينام بجوارها ويبلل فراشه في الليل وكانت تستيقظ من النوم كي تغير له ملابسه.. رأيت إدراكها اليائس بأنني في طريقي لأكون أبي.. ظلت أختي تتطلع إليه طويلا بعد وضوءه وصلاته وأثناء مشيه وجلوسه.. كانت تتابع أبي بعينيها المنطفأتين منتظرة كلمة شكر أو على الأقل نظرة رضى يمكن تفسيرها بشكل ما على أنها نوع من المحبة.. أختي حاولت أن تحقق في الواقع وبأقصى قدر من المسالمة الأحلام التي كانت تتخلص فيها من أمها.
* * *
أختي تحمم أبي وتفكر في أنه لولا الشيخوخة والزهايمر وموت أمها ما تمكنت من رؤيته عاريا تماما هكذا ولا استطاعت أن تلمسه بهذا الشكل.. ما تمكنت ـ رغم معاناتها في التعامل مع جسده الثقيل المتيبس ـ من استرداد أخيها الصغير الذي كانت تحممه في الماضي وتنشفه وتلبسه ثيابه وتمشط له شعره.. أختي تفكر أيضا في ذكورة أبي الميتة التي بالتأكيد كانت لديه حينما كان يحممها وهي طفلة.. المشهد الذي ضاع من ذاكرتها، ولكن ذكورته ظلت تشعر بها في كل لحظة من حياتها.. طوال السنوات الطويلة التي انتهت بجلوسه عاريا على كرسي داخل الحمام لتأخذ هي مكانه.. ربما أعطت احتمالا ولو ضئيلا وهي منحنية عند قدميه كي تلبسه الكلوت وتبكي بأن المعجزات أقوى من الزهايمر بحيث يمكن لأبي أن يأخذها الآن في حضنه.
* * *
كانت المرة الوحيدة التي رأيت فيها كلا منهما يحتضن الآخر ويقبّله.. كنت طفلا وأخذتني أمي ـ تحت إلحاح صرخاتي الباكية ـ إلى المطار لاستقباله.. رأيتهما سعيدين للغاية، ومشتاقين لبعضهما جدا، ولكن هذا الموقف لم يكن يعني لي شيئا وقتها وإنما بعد مرور سنوات طويلة لم أتوقف عن استرجاعه لأذكّر نفسي بأن أمي امرأة يمكن لرجل أن يحتضنها ويقبّلها، وأن أبي يمكنه أن يكون عاطفيا ويستطيع التعامل مع أمي برقة.. كان التذكير يساعدني على الاطمئنان بأن أمي عاشت وقتا جميلا برفقته في السرير ـ حتى لو كان مجهولا بالنسبة لي ـ بعد أن اعتبرت لحظة المطار إشارة إليه.. الذكرى التي أصر على التخلص منها بنفس إصراري على استدعائها.
* * *
سألت أختي: هو الممثلين بيبوسوا بعض بجد في الأفلام؟
أجابتني على الفور وبنبرة غاضبة: لأ طبعا.. بيقربوا الصورتين من بعض...
ـ إزاي؟
ـ معرفش بس أسمع كده.. وانت مالك والحاجات دي؟...
ـ عايز أعرف بيحسوا بإيه لما بيبوسوا بعض...
ـ بطّل قلة أدب.
ـ تيجي نبوس بعض؟
ثم ألصقت شفتي بشفتيها فجأة بشكل خاطف فأبعدت وجهها بعنف صارخة: يا مقرف...
ثم ثارت في وجهي بحسم: معنتش تعمل كده تاني...
كنت في العاشرة وكانت هي في أواخر العشرينات.. سمعت كلامها ولم أكرر القبلة طوال الخمسة وعشرين سنة التالية التي لم تتزوج فيها أختي.. بعد موت أبي وأمي أجلس معها بمفردنا في شقة الأسرة التي أصبحت تعيش وحيدة بها.. أحدثها من بعيد وبكلمات مغطاة عن علاقتي الجنسية بزوجتي فتضحك وأرى في وجهها رغبة مكتومة لسماع المزيد.. يمكن إذن بواسطة الفضفضة التلقائية ووفقا لمشيئة الزمن أن تتكرر القبلة الخاطفة القديمة دون تعمد، ولكنها الآن صارت متحررة من ضغط حاجتي لمعرفة ما الذي يشعر به البشر أثناء التقبيل، ومن غضب أختي التي لن تصرخ في وجهي: (بطل قلة أدب).
* * *
لماذا بعد موت كل واحد منهم ـ وليس قبل ذلك أبدا ـ اكتشف أنه لم يقرأ ما كتبته في كشكولي الأبيض فحسب، وإنما أضاف إليه صفحات أخرى لا تظهر على الإطلاق طوال حياته؟.

*Hitomi Tanaka In The Bus
أمره المخرج بأن يظل جالسا على مقعد الباص، وأن يسند رأسه على زجاج النافذة ويتظاهر بالنوم العميق.. ألا تكون له أي علاقة بما سيفعله بعض الركّاب الآخرين بالسيدة Hitomi Tanaka* .. سمحت له لحظات قليلة قبل التصوير بإلقاء نظرة على السيدة Hitomi وهي تصعد إلى الباص مرتدية بالطو أسود قصير على اللحم.. أغمض عينيه وبدأ العمل.. كانت المرة الأولى له، وعرف أن مشكلته الوحيدة هي الأصوات التي أثارت شهوته أكثر، ودفعته لتخيل تفاصيل المشهد الذي يدور على بعد خطوات قليلة من مكانه.. شعر بالخوف والارتباك من أن يتسبب هذا التخيل في تحويل حِجر بنطلونه إلى خيمة صغيرة رغما عنه، أو تظهر نتائج هياجه المكتوم على ملامحه بأي شكل فيتسبب في إفساد التصوير.. قرر البحث عن طريقة فورية تعزله تماما عما يحدث.. رأى أن أنسب ما يحقق له ذلك هو تخيل مصيبة والاستغراق في التفكير فيها.. تصور الباص يخرج من شوارع طوكيو ويتجه نحو طريق جبلي ثم تخرج عجلاته فجأة من الحافة ويسقط.. رأى سقوط الباص من الارتفاع القاتل بالعرض البطيء جدا وهو يتقلّب في الفراغ ثم يرتطم بالأرض محطما تماما بينما أشلاء الجثث تتدلى من نوافذه المهشمة.. كان يجب عليه بالطبع أن يحاول التوصل إلى تبرير منطقي لنجاته من حادث كهذا.. فكر كثيرا ولكنه فشل.. لم يجد له أي فرصة للنجاة من السيناريو الذي اخترعه.. لماذا لا يغير السيناريو إذن بما يسمح له بالبقاء على قيد الحياة؟.. فكر كثيرا مرة أخرى ولكنه فشل أيضا.. لم ينجح ذهنه في تخيل سيناريو آخر يرضيه وبالتالي كان لابد أن يموت.. أفزعه هذا الاحتمال جدا لأنه يعرف أنه لا يجب أن يموت الآن.. كان يتساءل في داخله بمنتهى الرعب: كيف يموت وهو لم يصدر بعد كتابا عن دار الشروق أو حتى دار ميريت أو على الأقل دار العين؟.. بفعل قسوة الخاطر البشع شعر بقلبه يدق بسرعة، وبأطرافه ترتعش كما تسببت دوخة مباغتة في فقدان رأسه لاتزانها.. بشكل لاإرادي فتح عينيه فتحة صغيرة جدا ليتأكد من أن أحدا لم ينتبه إلى حالته العصبية التي حاول بقدر ما يستطيع إخفائها.. رأى ما جعله يفتح عينيه بما يفوق اتساعهما.. كان لا يزال جالسا على كرسي الباص، ولكن الكرسي كان موجودا على أرض عشبية شاسعة تحاوطها جبال عالية جدا بينما الباص أمامه مقلوبا على ظهره مدمرا بالكامل، وكتل بشرية ممزقة محشورة في ثقوبه.. رأى السيدة Hitomi Tanaka تقف بجوار الباص تنشف جسمها العاري من لبن الأطفال ثم تسير نحوه مبتسمة، وتنزل بركبتيها على الأرض بين فخذيه.

*Hitomi Tanaka: واحدة من أجمل وأحن وأنشط نجمات البورنو اليابانيات.