زكريا تامر


الكاتب السورى زكريا تامر
سنضحك.. سنضحك كثيرًا
في يوم من الأيام، اقتحم رجال الشرطة بيتنا، وبحثوا عنّي وعن زوجتي، ولم يتمكنوا من العثور علينا لأنّي تحوّلت مشجبًا، وتحوّلت زوجتي أريكة يطيب الجلوس عليها. وضحكنا كثيرًا عندما خرجوا من البيت خائبين.وفي يوم من الأيام، كانت السماء زرقاء لا تعبرها أي غيمة، فقصدنا أحد البساتين، فإذا رجال الشرطة يدهمون البستان بعد دقائق طامحين إلى الإمساك بنا، ولكنهم لم يوفقوا لأنّي تحوّلت غرابًا أسود اللون، دائم النعيب، وتحوّلت زوجتي شجرة خضراء، غزيرة الأغصان. وضحكنا كثيرًا من إخفاقهم. وفي يوم من الأيام، تذمرت زوجتي من عملها في المطبخ، فذهبنا إلى أحد المطاعم، وما إن بدأنا نأكل حتى طوّق رجال الشرطة المطعم، واقتحموه عابسي الوجوه، وفتشوا عنّا تفتيشًا دقيقًا، ولم يجدونا لأنّي تحوّلت سكينًا، وتحوّلت زوجتي كأسًا من زجاج ملأى بالماء. وضحكنا كثيرًا لحظة غادروا المطعم قانطين. وفي يوم من الأيام، كنّا نسير الهوينى في شارع عريض مزدحم بالناس والسيارات، نتفرج على ما في واجهات الدكاكين من سلع، فإذا رجال الشرطة يحتلّون الشارع، ويعتقلون المئات من الرجال والنساء، ولكنّهم لم يستطيعوا اعتقالنا لأنّي تحوّلت حائطًا، وتحوّلت زوجتي إعلانًا ملوّنًا ملصقًا بحائط. وضحكنا كثيرًا من غباوتهم. وفي يوم من الأيام، ذهبنا إلى المقبرة لزيارة أمّي، فهاجم رجال الشرطة المقبرة، وقبضوا على أمّي، ولم ينجحوا في القبض علينا لأنّي تحوّلت كلمات رثاء مكتوبة بحبر أسود على شاهد قبر، وتحوّلت زوجتي باقة من الورد الذابل. وضحكنا كثيرًا من سذاجتهم. وفي يوم من الأيام، هرعنا إلى المستشفى متلهفين، فزوجتي حامل في شهرها التاسع، وآن لها أن تلد. وما إن دنا فم طفلنا من ثدي أمه الطافح بالحليب حتى انقضّ رجال الشرطة على المستشفى، ولكنّهم عجزوا عن الاهتداء إلينا لأني تحوّلت رداءً أبيض وسخًا، وتحوّلت زوجتي مرآة خزانة خشبية ملأى بالثياب، وتحوّل طفلنا بوقًا لسيارة إسعاف مسرعة. وضحكنا كثيرًا من بلاهتهم، وسنظلّ نضحك .

 النمور في اليوم العاشر
رحلت الغابات بعيداً عن النمر السجين في قفص، ولكنه لم يستطع نسيانه، وحدق غاضباً إلى رجال يتحلقون حول قفصه وأعينهم تتأمله بفضول ودونما خوف وكان أحدهم يتكلم بصوت هادئ ذي نبرة آمرة: إذا أردتم حقاً أن تتعلموا مهنتي، مهنة الترويض، عليكم ألا تنسوا في أي لحظة أن معدة خصمكم هدفكم الأول، وسترون أنها مهمة صعبة وسهلة في آن واحد.
انظروا الآن إلى هذا النمر: إنه نمر شرس متعجرف، شديد الفخر بحريته وقوته وبطشه، ولكنه سيتغير ويصبح وديعاً ومطيعاً كطفل صغير.. فراقبوا ما سيجري بين من يملك الطعام وبين من لا يملكه، وتعلموا.
بادر الرجال إلى القول إنهم سيكونون التلاميذ المخلصين لمهنة الترويض.فابتسم المروض مبتهجا، ثم خاطب النمر متسائلا بلهجة ساخرة: كيف حال ضيفنا العزيز؟ قال النمر: أحضر لي ما آكله، فقد حان وقت طعامي.
فقال المروض بدهشة مصطنعة: أتأمرني وأنت سجيني؟ يالك من نمر مضحك!! عليك أن تدرك أني الوحيد الذي يحق له هنا إصدار الأوامر. قال النمر: لا أحد يأمر النمور. قال المروض: ولكنك الآن لست نمراً.أنت في الغابات نمر.
وقد صرت في القفص، فأنت الآن مجرد عبد تمتثل للأوامر وتفعل ما أشاء.
قال النمر بنزق: لن أكون عبداً لأحد.
قال المروض: أنت مرغم على إطاعتي؛ لأني أنا الذي أملك الطعام.
قال النمر: لا أريد طعامك.
قال المروض: إذن جع كما تشاء، فلن أرغمك على فعل ما لا ترغب فيه.
وأضاف مخاطباً تلاميذه: سترون كيف سيتبدل؛ فالرأس المرفوع لا يشبع معدة جائعة.
وجاع النمر، وتذكر بأسى أيامًا كان فيها ينطلق كريح دون قيود مطارداً فرائسه.
وفي اليوم الثاني أحاط المروض وتلاميذه بقفص النمر، وقال المروض: ألست جائعاً؟
أنت بالتأكيد جائع جوعاً يعذب ويؤلم.. قل إنك جائع فتحصل على ما تبغي من اللحم.
ظل النمر ساكتاً، فقال المروض له: افعل ما أقول ولا تكن أحمق.
اعترف بأنك جائع فتشبع فوراً.
قال النمر: أنا جائع.
فضحك المروض وقال لتلاميذه :ها هو ذا قد سقط في فخ لن ينجو منه.
وأصدر أوامره، فظفر النمر بلحم كثير.
وفي اليوم الثالث قال المروض للنمر: إذا أردت اليوم أن تنال طعاماً، فنفذ ما سأطلب منك.
 قال النمر: لن أطيعك.
قال المروض: لا تكن متسرعاً، فطلبي بسيط جداً .
أنت الآن تحوم في قفصك، وحين أقول لك: قف، فعليك أن تقف.
قال النمر لنفسه: إنه فعلاً طلب تافه، ولا يستحق أن أكون عنيداً وأجوع.
وصاح المروض بلهجة قاسية آمرة: قف.
فتجمد النمر تواً، وقال المروض بصوت مرح: أحسنت.
فسر النمر، وأكل بنهم، بينما كان المروض يقول لتلاميذه: سيصبح بعد أيام نمراً من ورق.
وف اليوم الرابع، قال النمر للمروض: أنا جائع فاطلب مني أن أقف
فقال المروض لتلاميذه: ها هو ذا قد بدأ يحب أوامري.
ثم تابع موجهاً كلامه إلى النمر: لن تأكل اليوم إلا إذا قلدت مواء القطط.
وقلد مواء القطط، فعبس المروض، وقال باستنكار: تقليدك فاشل.
هل تعد الزمجرة مواء. فقلد النمر ثانية مواء القطط، ولكن المروض ظل متهجم الوجه، وقال بازدراء: اسكت.. اسكت.. تقليدك ما زال فاشلاً.
سأتركك اليوم تتدرب على مواء القطط، وغداً سأمتحنك.
فإذا نجحت أكلت أما إذا لم تنجح فلن تأكل. وابتعد المروض عن قفص النمر وهو يمشي بخطى متباطئة، وتبعه تلاميذه وهم يتهامسون متضاحكين.
نادى النمر الغابات بضراعة، ولكنها كانت نائية.
وفي اليوم الخامس، قال المروض للنمر: هيا، إذا قلدت مواء القطط بنجاح نلت قطعة كبيرة من اللحم الطازج.
قلد النمر مواء القطط، فصفق المروض، وقال بغبطة: عظيم! أنت تموء كقط في شباط.
ورمى إليه بقطعة كبيرة من اللحم.
وفي اليوم السادس، وما إن اقترب المروض من النمر حتى سارع النمر إلى تقليد مواء
القطط، ولكن المروض ظل واجمًا مقطب الجبين، فقال النمر: ها أنا قد قلدت مواء القطط.
قال المروض: قلد نهيق الحمار.
قال النمر باستياء: أنا النمر الذي تخشاه حيوانات الغابات، أُقلد الحمار؟ سأموت ولن أنفذ طلبك!
ابتعد المروض عن قفص النمر دون أن يتفوه بكلمة.
وفي اليوم السابع، أقبل المروض نحو قفص النمر باسم الوجه وديعا، وقال للنمر: ألا تريد أن تأكل؟
قال النمر: أُريد أن آكل.
قال المروض: اللحم الذي ستأكله له ثمن، انهق كالحمار تحصل على الطعام.
فحاول النمر أن يتذكر الغابات، فأخفق، واندفع ينهق مغمض العينين، فقال المروض: نهيقك ليس ناجحاً، ولكني سأعطيك قطعة من اللحم إشفاقاً عليك.
وفي اليوم الثامن، قال المروض: سألقي مطلع خطبة، وحين سأنتهي صفق إعجاباً.
قال النمر: سأصفق.
فابتدأ المروض إلقاء خطبته، فقال: "أيها المواطنون.. سبق لنا في مناسبات عديدة أن أوضحنا موقفنا من كل القضايا المصيرية، وهذا الموقف الحازم الصريح لن يتبدل مهما تآمرت القوى المعادية، وبالإيمان سننتصر" .
قال النمر: لم أفهم ما قلت.
قال المروض: عليك أن تعجب بكل ما أقول، وأن تصفق إعجاباً به.
قال النمر: سامحني أنا جاهل أُميٌّ وكلامك رائع وسأصفق كما تبغي.
وصفق النمر فقال المروض: أنا لا أحب النفاق والمنافقين ستحرم اليوم من الطعام عقاباً لك. وفي اليوم التاسع جاء المروض حاملاً حزمة من الحشائش، وألقى بها للنمر، وقال: كل، قال النمر: ما هذا؟ أنا من آكلي اللحوم.
قال المروض: منذ اليوم لن تأكل سوى الحشائش.
ولما اشتد جوع النمر حاول أن يأكل الحشائش فصدمه طعمها، وابتعد عنها مشمئزاً، ولكنه عاد إليها ثانية، وابتدأ يستسيغ طعمها رويداً رويداً.
وفي اليوم العاشر اختفى المروض وتلاميذه والنمر والقفص؛ فصار النمر مواطناً، والقفص مدينة.
 
تكسير ركب6
اعتادت لمى أن تسهو وتضع في فمها كل ما تمسك به يدها، فنصحتها أمها بصوت غاضب مؤنب بنبذ هذه العادة السيئة خاصة وأنها مخطوبة وتوشك أن تتزوج، ولكن لمى اكتشفت بعد الزواج أن أمها ساذجة ونصيحتها مخطئة، فما اعتادت فعله وهي ساهية رائج و مطلوب ومستحسن. 
 انتظار امرأة
ولد فارس المواز بغير رأس، فبكت أمّه، وشهق الطبيب مذعورًا، والتصق أبوه بالحائط خجلاً، وتشتَّتت الممرضات في أروقة المستشفى. ولم يمت فارس كما توقع الأطباء، وعاش حياة طويلة، لا يرى ولا يسمع ولا يتكلم ولا يتذمر ولا يشتغل. فحسده كثيرون من الناس، وقالوا عليه إنّه ربح أكثر مما خسر. ولم يكفّ فارس عن انتظار امرأة تولد بغير رأس حتى يتلاقيا وينتجا نوعًا جديدًا من البشر آملاً ألاّ يطول انتظاره .

الناس موتى وليسوا نياماً
أشجار وأنهار
ولولت الزوجة الصبية عندما مات ابنها الرضيع الوحيد, وزغردت بعد أيام قليلة عندما مات زوجها الشاب, فاستهجن الزوج المسجى في نعشه سلوك زوجته, ووصفها بأنها الشجرة الغبية التي تهجو نهراً رواها بمائه طوال سنين, ولكن فرح الزوجة كان أقوى مما يحتمله جسمها, فأدى إلى موتها, ودفنت في قبر ملاصق لقبر زوجها, وتلاقى الزوج والزوجة ثانية في دنيا المقابر, فلم يعاتبها الزوج واكتفى بالحملقة إليها بوجوم بينما كانت الزوجة تبحث عن أسلوب يميت زوجها مرة أخرى وببطء.‏
أبناء الأم‏
طالب رجل امرأته بألا تتكلم منوهاً بمحاسن الصمت, فأطاعت المرأة ولم تعد تتكلم, فسر الرجل بطاعتها, وسر أكثر عندما أنجبت المرأة العديد من الأبناء الذكور, ولم تنجب إناثاً, ولكنه لم يسر بذلك الصمت الذي لا يفارق أبناءه, ولم يقل له أي واحد
منهم : بابا.‏
ممنوع النسيان‏
نسي رجل من الرجال اسمه ومهنته وعنوان بيته, فقصد مخفر الشرطة, وأعلم رجاله بما جرى له طالباً العون منهم, وتوقع أن يحال إلى محقق أو طبيب, ولكنه فوجىء برجال الشرطة يطوقونه وينهالون عليه بركلاتهم ولطماتهم وصفعاتهم ولكماتهم متذرعين بأن من ينسى اسمه وبيته وعمله, لا بد من أنه قد نسي أيضاً أن له حكومة لا نظير لها, فتمرغ الرجل على الأرض متوجعاً من دون صوت, وصاح فجأة مدعياً أنه قد استعاد ذاكرته المفقودة, وتذكر اسمه وبيته وعمله وزوجته القبيحة الطويلة اللسان, وتذكر أيضاً أن له حكومة لا شبيه لها, فلم يتوقف رجال الشرطة عن ضربه, فصرخ بعد لحظات أنه قد تذكر أيضاً أن له رجال شرطة لا مثيل لهم, فتضاءل الضرب قليلاً, ولكنه لم يتوقف بحجة أن من يخطىء ينبغي له ألا يفلت من عقاب يستحقه.
آخر الدروس‏
نظرت المعلمة إلى ساعة معصمها, وقالت لتلميذاتها : لم ينته الوقت بعد, وما تبقى سنقضيه في التكلم عن الحرية.‏وطلبت المعلمة من كل تلميذة من تلميذاتها أن تتحدث عن الحرية وما تعرفه عنها وعن الناس الأحرار.‏
قالت التلميذة الأولى : أمي هي الحرية تمشي على قدمين, تفعل كل ما تشاء, وتوهم أبي أنه حر يفعل كل ما يشاء.‏
وقالت التلميذة الثانية : معلوماتي عن الحرية مستمدة مما أسمعه عنها من أبي الذي يقسم أن الناس سيموتون وتصبح عظامهم غباراً من دون أن تزورهم الحرية يوماً.‏
وقالت التلميذة الثالثة : الغراب في رأيي هو خير من يمارس الحرية الحقيقية, فهو ينعب ساعة يشاء نعيباً يخلو من أي مديح أو رياء أو دعاية.‏
وقالت التلميذة الرابعة : أنا ولله الحمد لست بالمغرورة, ولكني مضطرة إلى الزعم أني حرة, ففي البيت آكل طعامي مستخدمة أصابع يديّ أو آكله مستخدمة الملعقة والشوكة والسكين.‏
وقالت التلميذة الخامسة : من يطمح إلى معرفة الحرية والأحرار ينبغي له مراقبة البحر.‏
وقالت التلميذة السادسة : الحرية ليس لها وجود إلا في عالم الحيوان, ومن المؤكد أنها غير موجودة في عالم البشر, وقد اخترعها بعض الفلاسفة الخياليين, وهي في الحقيقة ليست سوى كلمة تتألف من أربعة أحرف.
فتثاءبت المعلمة, وقالت لتلميذاتها : من المؤسف أن الوقت المحدد للدرس قد انتهى الآن, وسنتابع غداً الحديث عن الحرية, وسيأتي دوري لأقول رأيي في الحرية وفي كل ما سمعته منكن.‏
ولم تبر المعلمة بوعدها إذ لم تأت إلى المدرسة في اليوم التالي ولا في أي يوم آخر, وعُثر عليها بعد أيام في حقل قريب من المدينة مذبوحة ومغتصبة.‏
سننام‏
أمر الحاكم الناس الذين يهيمن عليهم بأن يناموا, فنام الناس نوماً عميقاً طويلاً, وعندما اجتاح البلاد جيش من الغرباء المسلحين بأحدث الأسلحة, أمر الحاكم الناس النيام بالاستيقاظ فوراً, فلم يكترثوا لأمره, واستمروا في النوم, فغضب الحاكم, وأمر حراسه باستخدام أشرس ما لديهم من قوة لإرغام الناس على نبذ النوم, فسارع الحراس إلى تنفيذ أمره, وبوغتوا بأن الناس كانوا موتى وليسوا نياماً.‏
 الأغصان
ذهب بلال الدندشي إلى مدرسته كعادته في صباح كل يوم، ووصل إليها متأخرًا، ودخلها وهو يرتعد خوفًا من معلمه وتوبيخه الفظّ الساخر. ولكنه وجد التلاميذ نائمين والمعلمين نائمين، فحاول إيقاظهم، فلم يستيقظ أحد. وسئم الجلوس وحده، فتثاءب ونام، ورأى في أثناء نومه أنه نائم في مدرسة تلاميذها نائمون نومًا عميقًا غير مبالين بصيحات معلميهم الغاضبة. وأيقظته أمّه من نومه، وحثته على الإسراع حتّى لا يتأخر عن مدرسته، فهرول قاصدًا مدرسته ليجد معلميها مقتولين وتلاميذها يلعبون مرحين، ولم يلعب معهم لأن أمّه أيقظته من نومه ليذهب إلى مدرسته. فارتدى ثيابه على عجل، وغادر البيت من دون أن يأكل، وهرع إلى مدرسته وجلس في صفه بين التلاميذ متأهبًا لما سيحدث. ودخل المعلم الصف بوجه عابس وعينين صارمتين، فحدّق إليه التلاميذ الصغار بنظرات ملأى بالكراهية، وتهامسوا فيما بينهم بكلمات مبهمة، فصاح بهم غاضبًا: (اخرسوا).
فصمت التلاميذ فورًا، ووضع المعلم محفظته المهترئة على سطح طاولته، وفتحها، وأخرج منها رزمة من الأوراق لوّح بها قائلاً للتلاميذ: (أتعرفون ما هذه الأوراق? هذه أجوبتكم المكتوبة ردّا عن سؤالي عن المهنة التي ستختارونها حين تصيرون رجالا)
واقترب المعلم من سلة المهملات، ولوّح بالأوراق ثانية، وقال للتلاميذ: (هذه أجوبة لا تستحق حتى الصفر).
 ورمى الأوراق في سلة المهملات بحركة المتخلص من قمامة مقززة، وقال لتلاميذه: (علّمتكم طوال أيام النشيد الوطني الرسمي لترددوه في الحفلة التي ستقام بمناسبة انتهاء العام المدرسي، وسأمتحن اليوم قدرتكم على الحفظ، والويل لمن يخفق).
فتهامس التلاميذ متذمرين، فزعق بهم معلمهم بصوت حانق: (اخرسوا).
 فسكت التلاميذ، وقال لهم معلمهم: (سأعدّ من الرقم واحد إلى الرقم ثلاثة، وحين أصل إلى الرقم ثلاثة تبادرون إلى ترديد النشيد بصوت واحد. هيا استعدوا. واحد.. اثنان.. ثلاثة).
تبادل التلاميذ النظرات الغامضة، وشرعوا في إنشاد مقطع من أغنية غرامية معروفة بأصوات عالية حماسية محافظين على اللحن الأصلي للنشيد الوطني، فصاح بهم معلمهم: (اخرسوا).
فاندفع التلاميذ نحوه كطلق ناري، وضربوه، بمساطرهم وكتبهم ودفاترهم وأقدامهم طالبين إليه أن يخرس. فبوغت المعلم بما حدث، وصاح غاضبًا مستنجدًا، فلم يأتِ أحد من المدرسة لنجدته. وترنح وارتمى على الأرض بعد أن أصيبت عظام ساقيه بضربات موجعة، وحاول أن يقاوم ويهدد ويتوعد ويصبر، ولكن ألمًا طاغيا أجبره على البكاء والتوسل إليهم أن يكفوا عن ضربه، فلم يبالوا بتوسله، ولم يتوقفوا عن ضربه إلاّ عندما أذعن ولم يعد يصدر عنه أي صوت. فأوثقوه بحبال أعدوها سلفًا، وأمروه بترديد النشيد الوطني، فبادر إلى إطاعة أمرهم، وردد النشيد الوطني بصوت متحشرج مرتجف، فسدّوا آذانهم بأصابعهم متأففين. وانفصل بلال الدندشي عن التلاميذ، ووقف قبالتهم مقلدًا وقفة معلمهم، وصاح بهم بلهجة مرحة آمرة: (واحد.. اثنان.. ثلاثة).
فتعالت أصوات التلاميذ تردد النشيد الوطني متآلفة متناسقة، وتوحدت في صوت واحد خرج من نوافذ المدرسة ليتحوّل موجًا .


 الذي أحرق السفن
1 الاعتقال
الأشجار الخضر في الشارع كفت عن الغناء لحظة تحلق عدد من رجال الشرطة متجهمي الوجوه حول رجل يمشي على الرصيف سيفًا هرمًا، رمحًا متعبًا، آن له أن يخلد إلى الراحة بعد انتصاره في آلاف المعارك. وابتدره واحد منهم قائلاً له بلهجة فظة: (أعطنا هويتك).
فتقبّل الرجل لهجة الشرطي باستنكار، وأوشك أن يستسلم لحنق عارم، لكنه اكتفى بالابتسام باستعلاء. ومدّ يده إلى جيبه، وأخرج هويته، وقدمها للشرطي الذي ألقى عليها نظرة سريعة ثم قال متسائلاً: (أنت إذن طارق بن زياد?).
فأجاب الرجل باعتزاز: (نعم أنا طارق بن زياد).
عندئذ قال الشرطي ساخرًا: (هلا تفضلت بمرافقتنا?).
- (إلى أين?).
- (إلى المخفر).
- (المخفر! ولماذا).
- (مطلوب للتحقيق).
- (أنا أنا طارق بن زياد!).
- (لا يهمّنا من تكون. أنت الآن شخص تقضي الأوامر باعتقالك حيا أو ميتًا).
فقطّب طارق بن زياد جبينه بينما كان الدم المتدفق في شرايينه رعدًا شرسًا، غير أنه لم يكد يهمّ باستئناف سيره حتى طوّقه رجال الشرطة وأمسكوا به. فحاول الإفلات من أيديهم، فبادروا يضربونه بقسوة وتشفٍّ، حتى أرغموه على الكف عن المقاومة، وتهاوى أرضًا يغمره الخجل والدم.
2 الاستجواب
في اليوم الأول خلق الجوع في اليوم الثاني خلقت الموسيقى في اليوم الثالث خلقت الكتب والقطط في اليوم الرابع خلقت السجائر في اليوم الخامس خلقت المقاهي في اليوم السادس خلق الغضب في اليوم السابع خلقت العصافير وأعشاشها المخبأة في الأشجار.
وفي اليوم الثامن خلق المحققون، فانحدروا توّا إلى المدن، وبرفقتهم رجال الشرطة والسجون والقيود الحديدية.
(طارق بن زياد.. أنت متهم بتبديد أموال الدولة).
- (مخطئون. أنا لم أبدد أي أموال).
(ألست أنت الذي أحرق السفن).
- (حرق السفن كان لا بد منه لكسب النصر).
(لا نريد سماع أعذار. أجب عن سؤالنا فقط. هل أحرقت السفن أم لم تحرقها).
- (أنا أحرقت السفن..).
(وأحرقتها دونما إذن! لماذا لا تجيب هل حصلت على إذن من رؤسائك بحرق السفن).
- (إذن?! الحرب تختلف عن الكلام في المقاهي والشوارع).
وتأمّل طارق بن زياد بعينين مفعمتين بالازدراء والنقمة وجوه المحققين المحيطين به، ثم سألهم بهدوء: (أين كنتم وقت الحرب).
(كنا نؤدي واجبنا).
(نحن أيضًا حملنا السلاح).
فصاح طارق بن زياد بصوت نزق: (حملتم السلاح وجلستم وراء المكاتب تحتسون الشاي والقهوة وتتحدثون عن الوطن والنساء!).
فضحك المحققون، ثم تعالت أصواتهم جوفاء صارمة باردة:
(أنت خائن).
(حرق السفن كان ضربة لقوة الوطن).
(من الذي استفاد من حرق السفن لا أحد سوى العدو).
(تكلم. السكوت لن ينفعك).
(لدينا الوثائق التي تثبت خيانتك وتعاونك مع العدو).
(الشعب يعرف كيف يعاقب الخونة).
وهجم البحر والأعداء، وامتزجا بصرخة رجل: (البحر من ورائكم والعدو أمامكم).
فصاح طارق بن زياد بصوت متهدج: (ولكني أنا الذي هزم الأعداء).
فقيل له إن ما يقوله لا علاقة له بالتهمة الموجهة إليه.
(…)
3 الإعدام
هربت النجوم، فها هم أولاء قد أتوا، وفتحوا باب الزنزانة، ودلفوا إلى داخلها جرادًا جائعًا، ولم يدهشوا عندما ألفوا طارق بن زياد جثة هامدة، إنما سارعوا ينقلونه إلى ساحة المدينة، وهناك تلوا الحكم بإعدامه شنقًا، ثم سألوه عن رغباته الأخيرة، فلم يفه بكلمة، فعَدُّوا صمته دليلاً على عدم وجود ما يرغب فيه، وبعدئذ تدلى مشنوقًا.
من مواطن مثالي إلى السيد مدير الشرطة: خضوعًا لأوامركم، أرجو السماح لي بأن أموت .


 الأدغال
جرت في المقهى مباراة صاخبة في لعبة الكونكان بين معروف السماع ورشيد القليل، كثر مشاهدوها وتطايرت في أجوائها التعليقات الحماسية الساخرة المتحدية، وانتهت بهزيمة رشيد، فتباهى معروف بانتصاره، ونصح خصمه بلهجة ممازحة بمواصلة التدرب ليل نهار قبل اللعب مع أساتذة مثله. فاغتاظ رشيد، ومزق أوراق اللعب، وقذف بها إلى الأرض، ونصح معروف السماع بصوت مرتفع سمعه كل رواد المقهى بأن يخجل قليلاً ولا يتمادى في التباهي أمام رجال يعرفون جسم أخته أكثر مما تعرفه أمها. فأحنى معروف رأسه، ولم يفه بكلمة، وأنصت لأصوات هامسة يسمعها عادة وحده.
همس الأرنب: (اهرب تنج).
همست النعامة: (دفن الرأس اليوم يليه دفن بقية الجسم غدًا).
همس الضبع: (من لا يأكل يؤكل).
همست الحية: (ملمسي ناعم، والموت في أنيابي).
همس الذئب: (إذا لم تكن ذئبًا أكلتك الخراف).
همس الغراب: (لكم أنا مشتاق إلى النعيب!).
ولم يتكلم الأسد، واكتفى بالزئير الحانق متأهبًا للانقضاض على فريسته. ونهض معروف واقفًا كأنّه يهمّ بمغادرة المقهى، وفجأة لطم رشيدًا لطمتين على خده الأيمن وخده الأيسر، فبوغت رشيد وبهت إذ كان يتوقع شتائم متبادلة يليها تماسك بالأيدي يليه تدخل الوسطاء. واستل معروف سكينه بحركة سريعة، وطعن رشيدًا في صدره وعنقه ثلاث طعنات، فصاح رشيد: (أخ! قتلتني!).
وابتعد الأسد عن فريسته ملطخ الفم بالدماء، وغادر معروف المقهى هاربًا ويده لا تزال ممسكة بالسكين التي تقطر دمًا. وتنبه وهو يركض بأقصى سرعة إلى أنه وحيد أبويه، لا أخت له ولا إخوة