الثلاثاء، 26 مارس، 2013

حديث عبده الصامت



حديث عبده الصامت

للصمت دلالات.. وأنا منذ اُمرت بالصمت لم اُعط سوى إيماءات لم تُهد.. سُألتُ آلاف الأسئلة.. ملأتْ مئات الأوراق وكانت إجابتى الصمت.. آلاف الأسئلة بلا حل واليوم أقول لكم.. اُمرتُ أن أصمت فصمت واُمرتُ بالحديث فها أنا ذا أقول..
لست زكريا.. لم تكن آيتى الصوم عن الكلم.. لم اُهب الابن النبى.. ولم أر مريم قط.. لم أكفلها، لكننى حلمت بها يمامة بيضاء مثل نهار لم تحرقه الشمس، ولم يحجبه الغيم على طرف وسادتى حطت..  قالت هبنى الكلمة.. لم أفهم.. كررتها ثلاث.. ثم انطلقت.. لم أفهم.. لكننى كنت أُحس كأنى قد فقدت شيئا عزيزا إلى قلبى فبكيت.. بكيت نهرا من الكلمات.. لم أر نهاياته.. غصت فى قاعه حتى جاءنى الحوت ابتلعنى.. ألف عام فى بطن الحوت.. أُسبح وأدعو.. الحجر، الشجر، الأرض، النهر، الإنسان، كل مفردات الطبيعة دعوت.. وأبكى.. ألف عام لم يُستجب فصمت، وما كنت يونس ليغفر لى والقى على الشاطئ من جديد، لكنى فى بطن الحوت صنعت جزيرتى\أرضى.. زرعت خضرتى.. خلقت الابن  شجرا يطاول حد السماء.. وعشت ألف عام لم أنطق قط.. حتى يأس الحوت فلفظنى.. الآن أنا بلا حوت أفتقد عالمى الداخلى.. أرضى\خضرتى.. ابنى من يمامتى البيضاء.. كانت تلح أن أنطق باسمها وأناجيها وكنت أعبدها سرا.. ولم أبح.. ولم أنطق.. اتجهت إلى الله، جعلته لى إماما.. للصمت دلالات.. ركعتُ حتى أتت الشمس من المغرب.. سجدتُ حتى تشققت القبور أخرجت ما فى جوفها.. لم أُسأل فانا الصموت.. من اُمر بالصمت فما باح.. تسكعتُ فى أرض الله آلاف الأعوام أنظر وأسجل..
 الأخ يأكل لحم أخيه، يرديه ويبكى على قبره، المظلوم – بأمر القاضى الحافظ لكلام الله- مربوط فى سلسلة الظالم وعليه الطاعة حتى يحظى بعطف الله وتحنانه، ويموت العدل، والسلطان يضع فى كفة ميزانه الراجحة السيف.. أحصيت عدد القتلى والقتلة.. عدد الخونة والعملاء.. عدد من باع ومن كان على يقين أنه سيباع.. جننت.. رعبا مت..  هربت إلى هيكلى.. مزقتُ كراساتى، ولفظتُ إحصاءاتى، واختبأت.. آلاف الأعوام.. مسجون فى هيكلى.. نسينى الناس ونسيتهم، أمِنتُ على نفسى.. لولا الأرضة... أخرجتنى من عزلتى حين أنهت - فى يوم عمل شاق - قرض الهيكل..  فإذا بى وسط العالم والسيف على رأسى سلط كى أنطق.. أفزعهم صمتى حتى كَشَفَ قناع الوجه القرد وأخفى قناع الوجه الإنسان عن وجوههم المشبوحة عادت للذاكرة الإحصاءات.. اُمرت أن أنطق.. بالحق أقول.."الصمت فرقان".