الخميس، 7 فبراير، 2013

الفأر الذى أكل القط



الفأر الذى أكل القط

يوم ذهبت إلى السلة ولم أجد ما اعتدت أن أجده من بقايا الخبز بها لم أنشغل كثيرا.. جلت فى البيوت المجاورة، ولم يطل تجوالى ففى إحدى السلال وجدت بغيتى وأخذت ما أردت وأكثر  ومضيت إلى حال سبيلى.. حتى فى اليوم التالى عندما لم أجد فى السلة بقايا الخبز واتجهت إلى البيوت المجاورة ولم أجد بها إلا أقل القليل لم أفكر كثيرا.. قلت لنفسى...
"ربما يوجد سبب ما يمنعهم الخبيز، لكن لا داعى للقلق فغدا سوف يخبزون.." 
لكنى حين ذهبت  فى اليوم الثالث ولم أجد ما أقتات عليه لم يبق فى نفسى ذرة شك فى أن القحط قد ضرب بجذوره  فى هذا البيت والبيوت المجاورة وأنه لم يبق أمامى سوى الهجرة... وهجرتى ليست بالأمر الجديد.. فأنا دائم التنقل من بيت إلى بيت، لم يلفظنى يوما بيت، لم يبخل علىَّ، دائما ما يبوح لى بأسراره ويكشف عن كنوزه المخبأة.. حتى أننى أحس دائما بألفة بينى وبين هذه البيوت.. أختار دائما أكثرها راحة، فالأكثر هو الأغنى، والأغنى دائما ما يتوافر لديه الطعام، ويزداد فتات الخبز وبقايا الجبن المولع بهما...
فلتكن الهجرة.. متسلقا الحوائط أمضيت يومى متنقلا بحثا عن الأفضل، لكن ما أقلقنى حقيقة أنه فى جميع السلال التى قابلتنى لم أجد أى فتات خبز... ماذا حدث لهؤلاء الناس؟!... تشابهت البيوت.. جميعها فارغة.. عدت من جديد إلى مكمنى.." علىَّ أن أقبع وأنتظر..."
*       *          *
الشمس تشرق وتغرب، والليل يسبق النهار، والجوع يحاصرنى، كل بيوت القرية معدمة.. دخلت بيوتا لم أكن قد دخلتها من قبل حتى وصلت إلى سور.. أين بدايته؟!... أين نهايته؟!... فلأتسلق وأنظر... إنه يختلف عن كل بيوت القرية... "هنا سوف أجد ما أريد وأكثر"
*      *         *
حين دخلت البيت كان القط ينام على سريره.. جفلت.. لم يتحرك له جفن.. نظرت إليه مليا.. استعدت هدوئى لسكونه المبالغ فيه كل ما حولى يمكن أن يؤكل.. حتى جدران هذا البيت لكن أثمن ما فى هذا البيت هو هذا.. فليكن هو بدء الطعام... التهمته.... (التهمه الفأر) 
*      *        *
حين هاجمنى الفأر رعبت، لم أكن أتخيل أن يهاجمنى يوما ما فأر، كثيراً ما أكلت من هو مثله بل أن أحجاما أكبر منه كانت تفقد قدرتها على الحركة بنظرة منى..
منذ وصلت إلى هذا البيت ووضعت على هذا السرير.. وصار يشرف على طعامى وخدمتى الكثيرون، لم أعد بحاجة إلى الفئران، نسيت أن هذه المخلوقات التعسة تحيا فى هذه الدنيا، نسيت كيف تصاد... أى حظ عاثر ألقى اليوم بهذا المخلوق التعس أمامى.. شهيتى للدم خفتت.. مر من أمامى مرات عدة.. كان يبحث وينقب كمن يرى العالم لأول مرة.. صدمه ما يراه، مثلى حين دخلت البيت لأول مرة... "ربما تتبناه هو الآخر أمى الرؤوم"... كنت أرمى عليه نظراتى النارية، لم تصعقه، لم تسعفنى السمنة.. حين استدار وأمسك ذيلى.. لم أهتم.. قلت.. "ربما أمسكه على سبيل الخطأ"... حين وضع ذيله أمام عينى، حين داعب شواربى، شد أحدها مسببا لى ألما حادا... قلت لنفسى.. "دعه يلهُ لا تجعل فأرا يقلق نومتك المريحة.."..... –لولا التخمة لالتهمته-... منذ سنين عدة لا أفعل شيئا سوى الأكل والنوم... "آه يؤلمنى بتصرفه".. هنا من الطعام ما يكفيه.. لماذا يوجه لى تلك النظرات النارية؟!.. لماذا أنا دون باقى الموجودات؟!!!!
*        *        *
ما حدث فى اليوم الذى أكل فيه الفأر القط 
طال الليل قليلا.. ضرب الجوع القرية وتساقط الفلاحون فى الطرقات والحقول والبيوت مرضى وجثث... حاصرت الشرطة القرية وعزلتها، تحدثت الحكومة عن مشروع جديد لاستصلاح الأراضى ووعدت بتوزيعها على الفلاحين والخريجين.... ضربت سيارة مسرعة عابر طريق.. لم تتوقف.
دق المنبه فى حجرة نوم السيدة، هبت من نومها، ذهبت إلى المطبخ، فى طريقها أيقظت عددا غير قليل من الخدم، فهذا موعد تناول القط  لغذائه وهو السبب الوحيد الذى من أجله تدخل إلى المطبخ، فهى لا تثق فى أولئك الخدم.. تخشى أن يتسرب التلوث إلى أكل ابنها، فلذة كبدها، ولهذا فهى تعد له وجباته الغذائية بنفسها، أخرجت الفرخة من الثلاجة ووضعتها فى الماء بعد أن أخلتها من العظم، أشعلت النار وجلست تنتظر.... 
كان الليل يطارد النهار يقتله فى الطرقات.. والقمر ينظر ولا يرى فى الظلام.. والنهر يجرى ويجرى حتى يغشى عليه من التعب دون الوصول إلى هدف.. والقط ينتظر الغذاء بلا رغبة حقيقية والفأر والجوع شريكان متلازمان.....
*         *        *
لم هو دون باقى الموجودات؟!!.. 
كل شئ أمامى يثير الشهية... الأثاث.. الستائر.. السجاد... أصناف الفاكهة الموضوعة  فوق منضدة تتوسط الغرفة... عشرة أيام لم أذق خلالها إلا أقل القليل.. هزل الجسم.. هزل حد الموت.. لماذا اخترته.. لا أدرى.. حين دخلت لم يكن يجول بخاطرى ما حدث.. أنا أهاجم قطا!!!؟.....
قصتى وقصته معروفة.. كنت وهو أصدقاء.. يوما ما أراد فأر أن يعبر نهر الحياة لينال الخلود.. قال له قط.. هيا أعبر فى قاربى، حمله حتى المنتصف عندها امتلكه الطمع فافترسه... من يومها لم يجرؤ فأر على معاشرة قط فكيف بمهاجمته!!؟...
حين رأيته بحجمه الهائل رعبت.. لولا حاجتى الملحة إلى الطعام ماجازفت قَطْ... تسللت.. لمحنى.. لم يتحرك.. ألقى ناحيتى بنظرات خملة.. ثم عاد من جديد إلى النعاس.. اقتربت.. تحسسته.. إنه محض دمية.. دمية شحم ولحم على شكل قط.. أ كل هذا له هو؟!!... من يكون؟!... لم يفضل هذا المخلوق علىَّ وعلى الفلاحين؟!... أكرهه.. أكرهه كما لم أكره قطا من قبل رغم افتراس القطط الدائم للفئران... أشاكسه.. يسترخى مستطيب النعاس.. نعم أنت أثمن ما فى هذه الحجرة وأحقها بالأكل... سأبدأ بك.....
*         *         *
لماذا أنا دون باقى الموجودات؟!....
يلتهم الذيل... آه... ألم شديد.. من سنين عدة، لم أعد قادرا على الحركة.. أدمنت الكسل.. فى البدء كنت مثل أى قط... حتى اشترتنى أمى الرؤوم.. يومها.. احتضنتنى.. قبلتنى.. قالت وكلماتها تنز ألما...
- من اليوم أنت ابنى الذى لم أنجبه، لن أجعلك تحتاج إلى شئ فى هذه الدنيا... سأدخلك جنتى. 
لم أفهم... ماذا تستطيع أن تقدم لى.. مطالبى تنحصر فى قليل من الطعام والشراب.. ما يسد الرمق ويحفظ الحياة.. لكن حين أتى موعد الغذاء آمنت أنى لم أكن أحيا وأن الدنيا قد ابتسمت لى، يومها أكلت حتى كدت أن أموت من كثرة الأكل..  
فى المساء آمنت أن الجنة سهلة المنال وأنه فقط الحظ.. ونمت.. سنين عدة يأتى لى الطعام وأنا راقد  هنا... آكل حتى أموت شبعا ثم أنام.. طبقات الشحم المتراكم تحدث بما أنا فيه من نعيم.. سبحانك ربى تعطى من تشاء... فلماذا أنا دون باقى الموجودات؟!!
*           *          *
ما حدث فى اليوم الذى أكل فيه الفأر القط 
داس الناس فى الطرقات جثة النهار بحثا عن قاتله والطعام، أخرج الليل لسانه إلى ناس الطرقات العابرين والمتسوليين، كانت القرية على حالها وقوات الأمن فى ازدياد  والأم الرؤوم تغالب النعاس والطعام على النار والقط فى انتظار معجزة والفأر يلتهمه...
*            *         *
لم هو دون كل الموجودات؟!!....
 لماذا اخترته.. لا أعرف.. لكنه وبالتأكيد أهم مافى هذه الحجرة ما دامت مسخرة له.. عشرة أيام لم تدخل جوفى لقمة.. يموتون خارج هذا القصر جوعا وهذا لا يشعر مجرد شعور بما يحدث فى الخارج ولهذا ينام ويأكل.. يتضخم.. ينفجر الحقد داخلى... ماذا لو آكلك يا هذا؟... هل ستحزن عليك سيدتك؟... هل ستمتنع عن الطعام فتموت؟... أعرف أنها متخمة بالطعام مثلك وأننى إن هاجمتها فلن تستطيع الدفاع عن نفسها ستنتظر منك أن تدافع عنها... ليكن سأهاجم سيدتك ومادمت ستدافع عنها سأهاجمك أيضا.. ها أنا ذا أقرض ذيلك.. أذنك.. أنفك.. الدم يندفع.. يثير غرائزى.. يزداد نهمى للافتراس.. ما أحلى الأكل بعد طول جوع.. توقفت فيك الحركة.. الآن أقرض جثة ميت.. آه... شبعت.. امتلأت حتى آخرِى... لو أعلم لأتيت بعشرات الفئران إلى الوليمة.. آه لو أعلم....
*         *         * 
لماذا أنا دون باقى الموجودات؟!..... 
لو أن سيدة الدار.. أمى الرؤوم تدخل الآن لأنقذتنى.. رعبى أكبر من أن يحتمله قلبى الرقيق... فرائى الثمين يعبث به هذا الحيوان القذر.. مئات الأيام يأتى الطعام فى الميعاد، لو تأخر بضع ساعات لأكلته.... آه... ماله يلقى لى بنظراته النارية.. أعرف أن هيئتى لم تعد تخيف، لكنى قط وهو فأر ويجب على الفأر أن يخاف القط... 
يقرض ذيلى... لماذا؟؟... من سنوات لم أقتل فأراً، هل بينك وبينى ثأر قديم... يقرض الأذن.. آه.. لو يقترب من أسنانى لو يضع رأسه بينها ويدعنى حتى أضغط.. يؤلمنى.. لو تدخل الآن سيدة الدار.. الغرفة مغلقة... لو ملأت الكون ضجيجا لن تسمعنى.. يا سيدة الدار انجدى ابنك... يا هذا اذهب وكلها هى أسمن منى، أضخم منى، ستجد ما يكفى عشيرتك وقريتك اذهب... اذهب.. مالى أرتعش.. قواى الخائرة تخور.. أسقط على جانبى، يعتلى جسدى، لم يعد يقرض، ولم يعد يؤلمنى، لكنى أموت... آه لو سيدتى تعلم. 
*        *         *
ما حدث فى اليوم الذى أكل الفأر فيه القط 
انطفأت أسطوانة الغاز... أسرعت الأم الرؤوم إلى التليفون.. ترك عامل الإسطوانات طوابير الواقفين وأسرع بواحدة.. فى الطريق أزاح المتجمعين طلبا لها.. ركب الأسطوانه.. مهرته السيدة الأجرة مضاعفة.. شكرها وانصرف.. أضرب عمال طلبا لزيادة الأجر بعد أن صار الأجر لا يكفى.. (العيش الحاف)... تدخل البوليس وفض الإضراب بالقوة... ضربت سيارة مسرعة عابر طريق... لم تتوقف... رفعت الحكومة أثمان الزيت والسكر والشاى والبنزين ووعدت بزيادة المرتبات.. أنهت السيدة الطعام وذهبت تتقدم ثلاثة من الخدم إلى الحجرة. 
*        *       *
فى الحجرة 
كان الأثاث على حاله.. السجاد على حاله.... الستائر.... المأكولات.... لكن القط.... "دم".... "دم".... على حافة السرير وجدته جثة... أسرع الخدم لطلب البوليس والدكتور... جلست الأم الرؤوم تبكى فقيدها.... كان الفأر فى الركن المقابل ينظر مندهشا... علام تبكى.. أعلى هذا الأبله؟!!.... تطلع إليها...  إنها تكفى مئات الفئران وعشرات القرى... لمحته... كان يصوب إليها نظراته النارية.. ارتكزت على حافة السرير... تقدم نحوها.. صرخت بأعلى صوتها....
- سيأكلنى....... سيأكلنى...... 
(ستأكلها؟!!!... امْشِ يا فار يا ابن الكلب... هتاكل ستك... لا دا أنت زودتها قوى) 
توقف الفأر.. نظر لى مستغربا.. (مش أنت إللى قايل لى كلها).... غمزت له... فهم الفأر وانصرف، لكنى كنت أبيت النية كى يأكلها الفأر