السبت، 1 أغسطس 2015

جرافيتى

                                  

                                  جرافيتى 

حين شعرت أن النهاية على الأبواب، قررت أن أترك  للتاريخ بعض تفاصيل حياتى.. حتى لا تضيع  كما ضاع الكثير من أحداث زماننا الهامة. 
ولدت في بيت عادي لم يكن به إلا نافذة واحدة تطل على شارع ضيق جدا بالكاد كنت أستطيع - حين كبرت- أن أعبره بالنظر لأسقطه على صدر بنت الجيران - طائرا جارحا -  والتي أبدا لم ترني رغم قرب المسافة وحرارة النظرات.
كانت  مدرستي الأولى قريبة من بيتنا، في يومي الدراسي الأول تعرفت على صديقي الأول،  كنا نشترك في خصال كثيرة، المريلة التي بالكاد تخفي الجسد، الحذاء الذي تعبره الأصابع بلا خجل، والدموع التي ترفض ترك حضن الأم، جاءت جلستي بجانبه كأن القدر كان يعدنا لذلك الأمر الهام الذى حدث، لكني في حينها لم أنتبه، رغم ذكائي المتقد وعبقريتي التي تفجرت منذ اليوم الأسود الذي انفصلت فيه عن حبل أمي السري، وجدت على وجهه نفس الدموع فشاركته بأن جعلت  صوتي مصاحبا لدموعه، وانتصرنا معا على المدرسة - أو هكذا اعتقدنا- فذهبنا إلى  البيت عند انتهاء اليوم الدراسي.
لا تحمل الذاكرة حوادث كثيرة في تلك المرحلة..  فقط..  صفعة على الوجه من مدرس كرد فعل على إجابة خاطئة، عصا أو اثنتان وربما ثلاثة من مدرس لتأخري عن بداية اليوم الدراسي، "تزنيب" من ناظر لأنى لم أسدد المصروفات، ولم أحصل في الوقت المناسب على شهادة الفقر، وضحكات مصحوبة بسخرية مُرة من الأصدقاء لأني تبولت على نفسي في حصة الدين،  حين عجزت عن تسميع آيات من الذكر الحكيم، تفنن يومها مدرس الدين في إظهار عذاب رب العالمين.. ولعنات كانت تتخبط في حوائط الفصل لتعود – دائما- تصطدم بوجهي حتى أنني حين غادرت المرحلة الابتدائية كانت قد غطت براءة الطفولة المرسومة على وجهي بعض الغرز والندوب التى لم تفارقه وروحي  حتى متّ.. ويبقى فقط، أني في هذه المرحلة لمحتها صورة للبراءة فأحببتها، وحكيت عنها في ليلي، وصرت أغضب من نفسي ولنفسي  كلما وجدتها وهي التي تشاغلني طوال الليل في نومي   تلاعب الآخرين وتهملني طوال النهار في يقظتي،  وفقط.. انسحبت من خيالي فجأة وحل مكانها فراغ كبير..  قد تستغرب حين تعرف أني حتى الآن أضحك من نفسي وأندم وأتمنى أن يتحقق المستحيل ونتعارف من جديد.

اليوم  الذي وقعت فيه الواقعة

لبعض الأيام رائحة خاصة.. يومي كان من هذه الأيام.. لم أحبه ولم أحب رائحته.. حين فتحت عيني كانت الشمس تغازلني عبر النافذة الضيقة.. أنا أرفض هذا النوع من الغزل لذلك أغلقت النافذة في وجهها وحاولت أن أستعيد النوم.. لكنه يبدو كمن هرب من نافذتي المفتوحة.. لذلك لم أجد بدا من أن أبدأ يومي.. "لبعض الأيام رائحة خاصة".. لكني في حينها لم أربط بين هذه الرائحة وما سوف يحدث... فقط بعدها بسنوات وأنا أجالس الوحدة والخوف والظلام المحيط تذكرت هذا اليوم وهذه الرائحة فأسفت لأني لم أكن أملك قدرة رؤية كتاب الغيب وصفحاته، ذلك الكتاب الذى ردد دائما اسمه مدرس الدين حين كان يمارس لعبته المفضلة في قرأته علينا.. لنعلم أى مصير أسود سيكون لنا في مستقبلنا البعيد.. فقط خرجت من البيت كما اعتدت أن أفعل آلاف المرات.. سرت في طريقي الذى أحفظه ويحفظني.. مررت بكل من كنت أمر بهم وبه  من قبل.. الجديد فقط في هذه المرة هو أن الشوارع كانت مزدحمة بالسكينة.. هدوء لم أره ولم أعتده في الشوارع.. لكني من كثرة ما قابلت في حياتي لم أتعجب وسرت.. فجأة انتبهت على ضجيج وأصوات صاخبة قادمة من بعيد.. "ربما هو ضجيج الشارع المعتاد واشتباكاته المعتادة تعود إليه".. قلت لنفسي وسرت.. حتى وصلت إليهم أو وصلوا إليّ.. لم أحبهم يوما، ولم يطمئن قلبي لخطواتهم يوما.. لذلك كنت دائما ما أترك لهم منتصف الطريق وأكتفي بالاحتماء بالحائط والتسلل هربا عبر شقوقه.. لكني في يومي هذا لم أجد منفذا أو حائطا فتوقفت والتفت خلفي.. كانت الشوارع ماتزال فارغة.. هل أعود من حيث جئت؟.. هل أكتفي بهذا القدر من يومي وأغادره في انتظار غد آخر ويوم جديد؟.. لم يمهلني القدر .. فقد لمحت الجانب الآخر وهو يمتلئ فجأة.. كأنهم هبطوا من السماء.. لم يكونوا ملائكة بثياب بيضاء وأجنحة، ولم يكن لهم سلوك وتصرفات الشياطين وعبثهم.. لكنهم تواجهوا.. كنت أنا  الأقرب فحاولت الفرار مما توقعت حدوثه.. لكن المنفذ كان مغلقا والقدر يعد للأمر عدته.. "لا مهرب لك اليوم".. "لامهرب لكم".. وبدأ الاشتباك.

يوم من تاريخ موازِ

تذكر أنه لم يكن له أب ليعرفه.. أنه تربى في حضن أم لا تجد طعامهما بسهولة.. تذكر أنه حقق معه وهو بعد طفل.. وأنها اشارت إليه.. فلم يجد بُدا وهو بعد الرضيع من أن يقول لهم:
-    لم أفعل، ولكني أحمل الأسف في داخلي شعلة أبدا لا تنطفئ..
ضُرب وسُحل وعُلق على صليب الأيام حتى نزف كرامته وكرامتها.. شرفه وشرفها.. لكنه في النهاية أوصلها إلى قبرها وصعد إلى سمائه حيث كان يظن الأمان.

الواقعة

كانت الفوضى.. كأنه يوم القيامة والكل يبحث عن النجاة.. "لا منفذ لك".. "لا منفذ لكم".. تصاف الفريقان.. أنا المحايد بينهما..  تمنيت فقط أن أغادر هذا الموقف سالما مسالما.. الحجر الأول فقط هو ما لمحته..  قنبلة الدخان الأولى فقط هى ما رأيتها.. قادتني خطواتي  العمياء إلى التخبط والوقوع أكثر من مرة.. وال...


وصف سابق للحادث


"ويكون أن الهارب من صوت الرعب يسقط في الحفرة، والصاعد من وسط الحفرة يؤخذ بالفخ، لأن ميازيب من العلاء انفتحت، وأسس الأرض تزلزلت، انسحقت الأرض انسحاقا، تشققت الأرض تشققا، تزعزعت الأرض تزعزعا، ترنحت الأرض ترنحا كالسكران، وتدلدلت كالعرزال، وثقل عليها ذنبها فسقطت ولا تعود تقوم"*

عودة للواقعة

هناك عاودني الحلم القديم، هى بفستانها الأبيض الذي دائما ما حلمت بها داخله، ضحكتها التي تفيض كالنهار فتدهن الدنيا وتبقيها ناصعة، خطواتها التي تدغدغ وجه الأرض فتنشر البهجة في أرجائها.. أراها تمد لي اليد، تشدني، تدفعني بعيدا عن الغمام الزاحف، كانت قدرتي على تحريك الجسد معدومة، رفعتني على يديها وسارت، كانت رائحتها تملأ أنفي وتطرد روائح الغازات والدخان.. أسندت رأسي على صدرها وانتشيت.

يوم موازِ

ارتطم وجهه بشئ ما.. كان هو يبكي.. تذكره وهو يقطع طريق الآلام مسحوقا بالوحدة.. ليس الألم هو الوصف الصحيح، فليس هذا ألما، وليس هذا هو العذاب.. خُلعت ملابسه، مُزقت أمامه، ضربات السياط حولت الجلد لقطع من القماش مُزق أمامه، اللحم المفروم - كأن سياراتهم مرت عليه - سكاكينهم أخذت منه ما يكفي كي يكون طعاما لكلابهم، الصليب على كتفه أثقل من ذنوبه، السباب يتناثر كذباب حول طبق أصبح خاليا من الطعام، ليس الاسم مواكبا للوصف..  "كنت أتمنى أن ينتهي الطريق، لكني أعلم أن في نهايته سيبدأ على الصليب عذابي الحقيقي وموتي الذى لا يأتي أبدا".

عودة للواقعة

رغم أني لم استطع أن أرفع الوجه لأعلى إلا أني لمحت القادم إليّ – عسكري هزيل مزقته الأيام كما مزقتني من قبل-  يرفع عصاته ويهبط بها باتجاهي، لا أعرف لماذا استعدت صورته  الآن  بهذه  المريلة التي بالكاد تخفي الجسد، الحذاء الذي تعبره الأصابع بلا خجل.. استعدت فجأة قدرتي على الحركة.. فأبعدت الرأس عن العصا.. لكنها اصطدمت بالذراع  فشعرت كأن سكينا قد قطعته، فصلته عن الجسد، وترنحت تحت تأثير الضربة، فاصطدمت من جديد بالأرض، هذه المرة لم أر وجه من ضربني من جديد.. ولم أحاول أن أرفع الرأس.. فقد غلبني ضعفي واستسلمت للضربات.. فقط شعرت أني أقف من جديد أمام مدرس الدين، وأني من جديد أستعيد سنوات تمنيت أن لا أعيشها وأن تنتهي..

يوم موازٍ

بدأت المسامير في اختراق الجلد واللحم والعظام، وصلت حتى سُمع دقاتها في الخشب، فقدت يده القدرة على الحركة، لم يعد الصليب سوى جزء لا ينفصل من الجسد المعلق.. الألم لا يمكن أن يكون هو الوصف الصحيح لما يشعر به.. إن جهنم تخرج من كفّتى يديه، من قدميه.. الشوك المرشوق في الرأس يصرخ بصوت عالٍ، يرمي طبلة الأذن بآلاف من الحجارة تنتقل كلها إلى عقله كلمات..

عودة للواقعة

حين استعدت وعيي من جديد كنت ملقى فوق القمامة.. وجهي مغطى بالدم، لم أعرف هل هو من إصابة فيّ، أم من الجثث التي تثقل على بدني وأشعر بدفئها عليه، حاولت أن أحرك جسدي ونجحت لكني في محاولتي أسقطت العديد من الجثامين الساكنة فوقي... استطعت أن أنقلب على وجهي فلمحت نصف سماء فقط وبعض الوجوه البعيدة تختفي خلفها تنظر لي  وتشير  أن أستعد للصعود..  هززت الرأس، فتساقطت الوجوه واستعدت جزءا جديدا من الوعى  مصحوبا بجزء جديد من القدرة على الحركة وجزء محدود من الألم.. حاولت الجلوس لكني فشلت.. هذه المرة تفجر الألم من جسدي.. شعرت بالعظام تغوص في لحمي..  فتوقفت عن المحاولة تماما، وعدت من جديد إلى غيبوبتي.

يوم موازٍ

نَظر إلى من يجاوره على الصليب.. لصان جريمتهما قادتهما إلى هذا المصير، أما هو فقد كان ما كتب عليه هو ما قاده إلى صليبه.. لذلك حين أشار أحدهما باتجاهه وطالبه بالفعل.. صمت.. "هو في الأعلى يَرى ويَسمع ويُقدر ويَعرف متى يكون الفعل.. أما أنا فمجرد حجر أَلقى به على الأرض ولا يستطيع الارتفاع إلا باختلال القانون".. صَرخ فيه..  "أنْ افعل.." لكنه للحظة ظن أنه مثله مُعلقا هو الآخر على صليب كتابه المحفوظ، وأنه لا مهرب لهُ .. لا مهرب لي.. فاستسلم للقدر وصرخ فأتى ليل أشد سوادا من ليل صاحبه الملقى فوق القمامة.

عودة إلى الواقعة

حين فتحت عيني هذه المرة لم أر.. كان الهدوء من حولي يسود.. الهواء له رائحة مختلفة، وطعم مختلف.. حاولت تحريك يدي.. فشلت.. شعرت أنى معلق على صليب.. اخرجت صوتي صارخا.. انتبه منْ حولي للصوت المبحوح.. مد يده – شخص ما – إلى يدي... مسدها بهدوء.. واقترب من أذني التي مازالت مغلقة بالحجارة.. "حمد الله على سلامتك"..

*- اشعيا




الثلاثاء، 14 يوليو 2015

ليلة قدر


ليلة قدر
قصة قصيرة

حين استمع إلى خطبة إمام المسجد؛ عادت له طفولته.. مدرس التربية الدينية.. التى مازالت علامات عصاه تلون روحه وذاكرته.. كثيرا ما حدثهم عن ليلة القدر، وكثيرا ما قال لهم انتظروها فى العشر الأخيرة من رمضان، وكثيرا ما ظل ساهرا..
 لم يكن يومها قد فتح بعد صفحة الأحلام.. لكن هذا المدرس فتح له بابها.. فكان يتمنى أن يقابل ليلة القدر ليطلب من الله أن يختفى مدرسه من حياته، أو يُدخل آياته فى قلبه فلا ينساها ويهرب من مصير دائما ما يقابله فى كل حصص الدين... ذكره إمام الجامع بالحلقة المدورة فى السماء.. الضوء الذى ينير فجأة.. باب الأحلام الذى يُفتح فتتحقق كل الأمانى والامنيات...
دخل حجرة نومه.. شاهد على سريره شيئا ما يتحرك.. لم يدرك ما يشاهده فى أول الأمر... لكنه لم يتسرب إلى قلبه الخوف قيد أنملة.. لذلك اقترب.. كانت هى... حلم قديم وقد انزاح عنه وعنها الغطاء.. فبدت أمامه دوائر من الضوء الأبيض الناصع... تأملها طويلا.. يعرف أنها تظهر كلمحة عين.. لذلك أسرع برفع يده للدعاء... فتحت عيناها على صوته المرتفع.. ورسمت على وجهها ابتسامة حانية.. فزادت مساحة الضوء حول وجهها الصبوح.. دعته إليها... انزل يده المرفوعة بالدعاء... استجاب.

السبت، 27 يونيو 2015

نتيجة طبيعية - قصص قصيرة جدا



نتيجة طبيعية
 قصص قصيرة جدا

أمن
أمره الطبيب المعالج أن يفتح فمه – على اتساعه – ليرى الفاسد داخله.. فخرج من عنده مسرعا ليخطر الأمن.

ذكر محاسن
عدّد الجالسون محاسنه لها لعلها تلين وتنهي هذا الخلاف العائلي القائم بينها وبينه.... فلما انتهوا.. شكرت لهم سعيهم.

الوريث
نظر إلى ابنه الوليد الذي يلتهم ثدي زوجته بشراهة، وحاول أن يطرد الخاطر الذي يقتحمه... "هل يرث الأبناء الآباء وهم بعد أحياء؟".

حرب جديدة
لقد حلمتُ  أمس أني نائمٌ وحين استيقظتُ اكتشفتُ أن حلمي حقيقي؛ فقد كنتِ في حضن ابن ورد.

سبق ترصد
شاع في شارعنا أن الرجل القاطن الطابق الثاني من المنزل رقم خمسة عشر يحب المرأة التي تقطن المنزل المقابل. وأن قصة غرامه بها تمر عبر النوافذ المتقابلة .. شاع، لكن لم يتأكد الخبر. حتى أنا نفسي لم أكن متأكدا – رغم ترديدى المستمر للشائعة - فصرت أتعمد إطالة النظر إلى نافذتها – المقابلة - لعلي استطيع الإيقاع بالجانية. 

هزيمة مبكرة
لأنه كان دائما بالنسبة لها شهريار، لم تستطع أبدا أن تمثل عليه للنهاية دور سندريلا.

حتمية
لأن شهريار وسندريلا بطلان فى حكايتين مختلفتين من كتاب الحواديت، كان الطلاق  هو النهاية الطبيعية بيننا.

نتيجة طبيعية
تسلل إلى صفحتها ليلا وسرق الحذاء ثم عاد يطالبها بأن تكون له سندريلا... في النهاية طردت من كتاب الحواديت/حياته بعد أن صارت – له - محض خادمة.

فراشة
تملكتها شهوة الانتقال بين الرجال؛ فسقطت فى حضن "السلوى "*

*السلوى : نبات اكل للحشرات

الثلاثاء، 16 يونيو 2015

دواير - قصة قصيرة جدا


دواير

خارج دايرة الهم كانت قاعدة هي، بريئة كديب يوسف، ومثيرة كزليخة، كنت بلجأ لبراءتها كل ما تضيق دايرة همي، فتفتح صدرها وتضمني، وتخرج زليخة فأفقد براءتى، وأعيش معاها أو فيها لحظات خارج دايرة الهم، وأنساه لحد الموت، فأترمى على حافة الدايرة، وتترمى –هي- على الجهة الثانية من السرير،  ونغرق في بير عميق ماخرجش منه إلا لما أتعلق في حبل الشمس إللي تبعني للنهار، فأرمي عليها نظرتي.... بريئة كديب يوسف.. تتحرك... مثيرة كزليخة، وأقوم.... فأخرج من دايرتها وأدخل دايرة الهم من جديد.

الأحد، 31 مايو 2015

ذكر محاسن


ذكر محاسن 

عدّد الجالسون محاسنه لها لعلها تلين وتنهى هذا الخلاف العائلى القائم بينها وبينه.. فلما انتهوا.. شكرت لهم سعيهم.

الأربعاء، 15 أبريل 2015

حرب جديدة


حرب جديدة 

لقد حلمتُ  أمس أني نائمٌ، وحين استيقظتُ، اكتشفتُ أن حلمي حقيقي، فقد كنتِ في حضن ابن ورد.

الجمعة، 10 أبريل 2015

من حكايات الفارس الأصفر




من حكايات الفارس الأصفر 
ذي الأذنين الطويلتين

...  ويحكى أنه في زمن الحروب الكبيرة والطويلة التي دارت في منطقتنا ظهر هذا الفارس فجأة، تلبس أو لبس زي الفارس في حفلة عامة حضرها كل رؤساء الدول العربية عدا واحدة، وقف في وسط القاعة، ركع الجميع أمامه  عدا –ربما- واحدة.. (هكذا بدت الصورة للعامة الجالسين أمام شاشة التلفاز، لكن المتأمل في حقيقة الجلسة كان سيلاحظ أن فارسنا ذا الأذنين  الطويلتين هو الآخر كان راكعا بدوره لشبح يجلس في الخلفية).. ردد الجميع خلفه قسمه الذي كتبه له ولهم – خصوصا- الشبح الجالس خلفه، الراكب فوقه، المحيط بهم من كل جانب.. وبدأت طقوس الإغارة..
عاد به الزمن إلى الماضى "المجيد"، حيث كان مازال يحاول أن يتعلم كيف يقطع طريق المسافرين بالجمال، ينهب منهم الماعز والخيول، يقتل الرجال ويسبي النساء والأطفال، ويعود في نهاية المساء سعيدا يمتطي النساء والأطفال والعبيد .. زمن يتذكره كلما دخل قصره ولمح صورة الشبح الخفية الظاهرة، المحتلة جنبات القصر وعقول الحرس والخدم المحيطين به.. لا ينسى أبدا فضله فهو من علمه أن سرقة الماعز والخيول قد تشبع لكنها لا تغني.. وأن في العالم ما يمكن أن يركب غير النساء والأطفال والعبيد، هو من أخذه من يده وسافر به عبر الزمن والحلم.. أركبه الطائرة للمرة الأولى، أراه ما هو أعلى وأعظم وأضخم وأمتن من الجبال.. رأى أن العالم مختلف وأن الرمال والحجارة السوداء الصماء ليست نهاية التاريخ ولا هي الحدود القصوى للعالم، فخلف هذه الجبال مدن تنمو مثل الزرع الأخضر تُخرج  نفوسا وأرواحا حية ليست مثل هذه النفوس والأرواح التى أنتجتها وتنتجها الصحراء منذ وجدت.. منذ زرعت فيها أول حبة رمل لتقتل أي نبتة خضراء ولو كانت محض فكرة، هو لا ينسى فضله أبدا، لذلك يتقبل ويقبل منه ما لا يقبله أو يتحمله من الآخرين...
شبحه بدوره لا يغادره، يتابعه أينما سار، يضع يده ورأسه في مخيلته - لأنه كان يدرك أن الصحراء العقيم لا يمكن أن تخلق الخيال والأبداع-  وخلفيته ليوضح له ويرسم له ما لا يستطيع أن يراه..
هو يجلس الآن فوق سريره  المغطى بالحرير في قصره المنيف – الذى بناه له شبحه بحجارة من ذهب وفضة أتى بها من بلاد بعيدة يعمل بها الناس ليل نهار لعلهم يذقون الطعام - يشاهد عبر شاشات خلقها له شبحه ما يفعله في الآخرين بطيوره الأبابيل.. لم يعد الآن بحاجة إلى مصاحبة الخيول والجمال كما كان يفعل في الماضى "المجيد" ليرى فعل يديه، ليروي عطشه من الدماء المسالة، ليشبع عينيه وفؤاده من عذاب الضحية وصراخها وهي تُقطّع وتُمزّق من خلاف، أراحه شبحه من هذا الماضي "المجيد" المرهق.. السقيم.. فعبر شاشاته ها هي الدماء تغطي بلاط قصره، تسيل على سريره، تلون ثيابه وحريره بالأحمر القاني، لونه المفضل من بين كل الألون، ها هي أصوات الأنين والآلام تتخبط في جنبات القصر.. يطربه الصوت.. يسعده.. يشرح صدره فيردد.. "إنا شرحنا لك صدرك " ويُصدّق بآمين.. يُنير حياته لون الدم المسال وآلام الأطفال والنساء المذبوحين.. فقط لو كانت لشاشته القدرة على سبيهم ونقلهم إلى سريره حيث ماضيه العتيد في الفتح والركوب.. وعده شبحه أنه، في مستقبله القريب، قد يوفر له هذه الخدمة، لكنه الآن وفي محاولة منه لسد حاجات فارسنا  الملحة، يكتفي بأن يرسل له مجندات شقراوات يجاهدن في قصره، ويعدن إلى بلادهن حاملات رائحة الزيت وخزائن المال وذكرى مؤلمة، لذلك الذي لا يشبع ولا يرتوي حتى تسيل الدماء...
هو الآن يشاهد أُمّا تجري خلف صغير يظن أن ما ألقته طائراته أو طائرات شبحه  لعبة لطفل.. يحملها بيديه.. امه تستصرخه..
-    القها..
يسعده (هو المراقب عبر الشاشات) ما يحدث.. يعشق في حروبه –التي لم يخضها-  المفاجآت.. اللقطات غير المعدة من قبل.. هذه لحظة كان جدير بالكاميرا أن تسجلها ليحتفظ بها على حائط قصره مع باقى تذكاراته: رأس مقطوع لرجل خرج على حكمه ذات مساء، كبد لمقاتل نسي أن الزعامة في هذا البيت فأُخْرجت كبده ولم تعد بعد للجسد.. وغيرها.. الانفجار والدماء المتناثرة على وجه الأم والتي رمت بها –الأيام-  مسافة   بعيدة قبل أن تفيق من غيبوبتها لتبكي صغيرها تعيد إليه تاريخه المجيد دفعة واحدة.. ذكريات الحائط/ فخر العائلة.. صورة الجد التي تنخر الرأس – المقطوعة بعد منع الماء- بالسيف.. والجد الذي سلخ الشاة وهدم البيت وأباح المدينة.. والجدة وهي تلوك الكبد بعد استخراجه بخنجر الغل.. يبعده تاريخه " المجيد" عن شاشاته حيث حاضره – والدماء المسالة-  الذي يسجل خلاله تذكارات سوف يعلقها عما قريب هو وأبناؤه وأحفاده من بعده على حوائط قصورهم.. يحلم أن تكون هذه فقط مجرد بدايات لتاريخ جديد، أمجاد جديدة يتغنى بها شعراء يعرف كيف يستخرج من أحشائهم قصائد المجد والفخر.. يغمض عينيه على حلمه ويتركه ينمو.. ويعود من حلمه – فجأة-  على صورة شبحه وصوت طائراته التي تعبر الآن فوق القصر في طريقها إلى حيث تقف الأم الذاهلة منتظرة هي الآخرى من طائراته دورها في "لعبة للأمهات".