الاثنين، 11 يناير 2016

.... وبعد - قصة قصيرة


... وبعد

وكان.. أن الرجل الطيب دخل بيته ليلا، نظر إلى الوحدة الملقاة أمامه على الأرض نائمة، نظف حولها ثم أتى من داخل حجرة نومه الباردة بغطائه الأثير، وألقى به عليها.. فتح التلفاز المغلق بالتراب، وسجل اسمه بين ذرات الغبار وهو يحاول مسحه بيده، ثم جلس على كنبته الوحيدة وحاول أن يلثم الكون، لكن إضاءة الشاشة على حادث تفجير انتحارى لنفسه وسط الحشود المسالمة، أخاف الكون فأسرع هاربا..  ترك الرموت فوق الطاولة الوحيدة فى الغرفة وأسرع إلى مطبخه، فرحت الثلاجة حين لمحته داخلا ، مد يده وسلم ففتحت له طريقا ليدخلها، ضربته برودتها فى وجه، لكنها أنارت وجهها له.. مد يده وأخرج من داخلها طعاما يصلح ليكون زادا لبقائه يوما آخر، ثم أغلقها - فأنطفأ نورها حزنا-  وانصرف إلى الكنبة.. كانت الجثث التى تركها داخل شاشته تفر من هول الانفجار إلى داخل صالته، ناشرة حالة من الفوضى تشبه حالتها داخل الشاشة، هاله كمية اللحم الممزق الذى عبر من الشاشة فملأ صالته،  أسرع بوضع الطعام فوق الطاولة، ومد يده لينظف كل هذه الفوضى بأن نقل نفسه إلى قناة أخرى، كان الحزن بداخلها أقل برودة فجلس على كنبته يشاهد صامتا.

السبت، 26 ديسمبر 2015

فقط... أمل


فقط.. أمل
قصة قصيرة

لن تصدقني يا سيدي حين أقول لك إن هذه ليست جلستي الأولى على شط هذا النهر، وإن ليلى ليست أول امرأة قد خانت قيسا، هو دائما ما يفتح الصفحة الخطأ من الكتاب غير المقصود.. لذلك تصادفه –عادة- حكايات ليس له مكان فيها، إنه دائما ما يكون الرقم ما بعد الليلة الأولى في الألف الثانية، الليلة ما بعد الأخيرة، ذلك فقط هو ما جعله يهرب بجلده من كل كتب الحواديت، يتشظى في كل الحكايات ويختفي خلف ستار الحكي، أنا الآن أنظر إلى ماء النهر الجاري وأحسب عدد المرات التي أحصيت فيها أمواجه وأخذتنى دواماته في جلساتي تلك…
صدقني يا سيدي ليست هذه هي مرتي الأولى هنا، وليست ليلى هي المرأة الأولى، ولكن قيسا كان يأمل أن تكون ـ هذه المرة ـ صفحته الأخيرة.. فقط كان يأمل..

الثلاثاء، 17 نوفمبر 2015

حكاية الحلم والغني



حكاية الحلم والغَنِي


زمان.. زمان قوي.. كان فيه بنت فقيرة جدا، أفقر من سندريلا، وجميلة جدا، أجمل من ست الحسن، وبريئة جدا، أكتر من سحاب الدنيا اللي دايما بيغسل الدنيا ويطهرها.
وكان فيه رجل غني جدا، أغنى من قارون، وعجوز جدا أكبر من جن سليمان في السن رغم إنه عمره ما انحبس في قمقم ولا قال لملك لا، وشرير جدا أكثر من شهريار، لإنه كان عنده من قسوة القلب اللي يخليه  يدبح القلوب مش بس الرقاب.
الرجل دا في يوم من الأيام فكر في إنه يشتري الدنيا بحالها.. لأن في عقله جه خاطر، إن السعادة هي إن الدنيا تبقى بتاعته هو بس، ملكه هو بس.. مش لأي ملك أو لأي أمير.. ورغم إنه اشترى شركات ومصانع ومطاحن ومحلات ودكاكين بويا دهن بيها كل وش الدنيا شر إلا إنه دايما كان حاسس إن لسه فيه شئ في الدنيا مش ملكه هو اللي مسبب له التعاسة اللي دايما وطبيعي كان عايش فيها،  علشان كدا جهز أحسن وأجمل وأسرع حصان عنده وربط على وسطه سيف كان اشتراه من فارس عربي صدمه الواقع المرير اللي عايشاه المنطقة والعالم فقرر إن الزمن جه علشان يتخلى عن أحلامه وسيفه ويدفن نفسه.. فظهر – كما هي العادة في كل العصور-  اللي اشترى السيف بتاريخه في مزاد – علني - حر نزيه تحت إشراف دولي.
المهم إنه ركب الحصان ومسك السيف فبقى كل اللي يشوفه من بعيد من غير ما يعرفه ويعرف تاريخه يظنه فارس.. حتى هي لما شافته مرة في يوم من الأيام بيتكلم على شاشة  التليفزيون – اللي يوميا كان بيزورها تقريبا - بزيه وحصانه اتخدعت فيه – وده حصل في الحقيقة -  فحلمت بحضنه خاصة إنها كانت مشغولة دايما بالفارس اللي هييجي على حصانه الأبيض يخلصها من حياتها السودا دي والشقى اليومي دا بسيفه.
هي كانت بتعمل كل اللي تقدر عليه علشان توفر لقمتها وهدمتها، ماكنتش بتقول لا على أى شغلانة مادام الشرف مغلفها من برَّا.. تكنس شقة، تمسح سلم، تغسل مواعين، تروّق... تعدي على بيوت الناس تطبخ، و تاخد غسيلهم تشيل من عليه وسخات الأيام وتصرفاتهم وترجعه نضيف، في النهاية هي كانت بتحاول تعمل أي حاجة علشان تكسب لقمة عيشها من غير ما تبيع نفسها في زمن كان كل اللي مالوش لازمة في الدنيا بيبيع نفسه ويعيش غني أو في زى فارس، وفي النهاية هي كانت بتاكل لقمتها حتى لو متغمسة ملح  وتشكر ربنا وتنام وبالها مستريح زي الطفل الصغير.
في يوم، في رحلة بحثه عن حاجة لسه ما اشترهاش هو نزل قريتها الفقيرة البسيطة.. غريب زي أي  غريب دخل القرية.. نزل في فندق، لوكاندا، قصر الوالي، بيت مَلْك.. المهم إنه سكن في بيت بباب ودفا لكن من غير أهل، من غير ونيس، ونام على سرير مش بتاعه، وأكل  في طبق مش طبقه وطلب حد يغسل له هدومه.. وهنا ظهرت هيّ، وهنا شافها هو.. ولإن عنده حاجات كتير مالكها، وحاجات كتير اشتراها مابقاش يفتكرها.. فتح نوته الخاصة وبدأ يدور هي دي ملكه ولاَّ ملك أي حد تاني و لسّه ما اشترهاش.. لكن في النهاية رمى ناحيتها غسيله الوسخ فجمعته في طبقها البلاستك وراحت بيه لبيتها..
في اليوم دا هو ما نامش.. كان مشغول قوي، مش بيها لكن  بازاي وسط كل اللي اشتراه وامتلكه نسي يمتلك أو يشتري حد يغسل وساخة غسيله.. حد يخلي حياته نضيفة،  وقرر – مع نفسه -  إن زمنه جه علشان يكون عنده الحد ده. وفي اليوم دا هي راحت بيتها.. خرَّجت غسيله الوسخ، ورمته في طشتها اللي دايما مليان ميّة نضيفة وبدأت رحلة الغسيل.
 عجبها جدا لبس الفارس "حلمها"  خاصة بعد ما رجع – على إيدها - للونه الحقيقي، لما خلصته من الوساخة اللي كان سايبها عليه في رحلته.. في بيتها قالت لنفسها:
"كل اللي بتستناه بنت في الدنيا فارس بلبس زي ده، معاه سيف – كانت لسه لحد دلوقتي ما لمستهوش لإنه أصلا ماكنش لسه خرج من غمده- علشان يخلصها من دنيتها السودا دي، وينقلها للجنة في قصره".
 ونامت بالليل بتحلم بالفارس والجنة.. ولما جه النهار خدت غسيله المغسول وراحت له.. وقفت قدامه - وهو بيراجع نظافة الغسيل بنص عين/ بنص عقل، وبيراقبها ويسجل حركتها بنص عين في نص عقل – مستنية رأيه وأجرها و"حلمها".. ولما قلبه اطمن للنضافة رمى ناحيتها عينيه وحدف ليها صرة فلوس وقال لها:
- بتعملي إيه بالليل؟
"الحلم"
- بغسل
- طب وبعد الغسيل؟
- مافيش بعد الغسيل.. أنا بافضل اغسل لحد ما انكفي على الطشت واجيب نهار يوم تانى.
بص لها وفتح نوتّه من جديد يتأكد إنها مش ملكه وسألها
- إنتي ليكي أهل؟
"الحلم بيكبر"
- كان ليَّا زمان، أيام ما كان لسه في الدنيا أصول.
- طب واللي عايزك يعمل إيه؟
خبط حلم الفارس في رأسها.. "الجنة قربت".. قالت لنفسها، ورمت خيالها في حضنه بعد ما فرشت على سريره ملاية نضيفة، لمحت سيفه متعلق على الحيطة جوَّا غمده فشاورت على السيف.
- يعني مالكيش حد أشتريكي منه؟
شاورت من جديد على السيف.. رفعه من على الحيطة.. مسكه في إيده.. ماخرجوش من غمده، لكن مده ناحيتها.. حركت – بشهوة - صوابعها عليه، وكأنه سحر،  وقعت فى الحب، ووقفت مستنية أوامره...
- خلاص أنا قررت إني اشتريكي.. أنتي من النهاردا ملكي.. ابصمي هنا.
"الجنة بتقرب".. "السيف حلمي القديم".. كإنه سحر.. بَصَََََََََمت.. ورمت ابتسامة كبيرة على وش الدنيا، كأنها بتحاول تغطيها وتمسح حزنها اللي كان مغطي كل ماضيها..
بالليل.. هو طلع ع السرير.. هى حلمت باللي جي... شد بطانية ورماها على الأرض.. استغربت.. "ليه عايز يضيع حلمي؟!.. ليه يتخلى عن دور الفارس والسرير موجود والميدان مفتوح؟!".. لكن هي كتمت حزنها في قلبها، خزنت دهشتها في عينيها وفردت البطانية ع الأرض ونامت.
في حلمها.. هي غزت معاه مدينة وفتح بيها قلعة، وقعدها جانبه ع  العرش وصار فارسها فانتشت.
وفي حلمه.. هو رفع رجله ورماها ناحيتها وهى قاعدة ع الأرض منكسرة وحزينة، ففردت إيدها وبدأت تخلصه من تعبه وهي بتغسلها من مّية طشتها النضيفة.
وفي حلمها قامت ووقفت في قلب طشتها من غير هدوم تستحمى وهوواقف على راسها رافع سيفه يمنع عنها أطماع أي غريب.
وفي حلمه رمى ناحيتها غسيله ووقف على راسها يشخط وينطر لحد ما خرج غسيله من تحت إيدها زي ما طول عمره بيحلم بالغسيل.
وفي حلمها....
عارفين.. أهي دي مش حكاية جديدة.. دي يمكن تكون أول حكاية من حكاياتنا بتتكرر في الدنيا دي من أول ما ربنا خلقها.. كتير من الناس عاشها وشافها.. كتير من البنات ماتت مع أحلامها وهي بتغسل رجلين.. كتير من البنات والبلاد هرب منها الحلم مع صابون الغسيل وريحة رجلين فارس عمره ما طَلّعْ سيف من غمده علشان يدافع عن حد ولا عرف أصلا ازاي يستعمله.

الأحد، 4 أكتوبر 2015

بصيرة - قصص قصيرة جدا

                                                 

                      بصيرة – قصص قصيرة جدا

 مشروع مستقبلي
في ألف ليلة وليلة ... رمى القدر بالخيانة في حجر شهريار؛ فقرر الانتقام من كل الخائنات في كل كتب الحواديت حتى من كانت منهن ما تزال مشروعًا لم يتحقق بعد

بصيرة
لمحت في حلمي ليلى تراود قيسًا عن قصيدته، يلقيها في هواء الصحراء لتتلقفها أذن ابن ورد؛ فأخفيت قصيدتي في قلبي.

قصة الخلق
عندما أراد الخالق بدء الكون، فكر في ثلاثة أشكال، الرجل والمرأة والشيطان، لكنه حين  قابل وجهك – الباسم الجميل- اكتشف أنه أوجد الرجل  والمرأة الشيطان.

طيران حر
نشر غضبه – الجاهز دائمًا – على حبل أيامها، وقال لها مهددا ..
-    أنتِ حرة .
فاستنشقت عبير الحرية وفردت جناحاها طائرة من فوق سطح بيته.

محاولة هروب
كان دائمًا ما يضع على وجهه "ماسك " من المهابة؛ اتقاء لحرارة النظرات.

تبادل منافع
حاول أن يدعم العلاقة بينهما، فمد لها حبلًا من الود، فاستخدمته في صنع سلّم من الشوك لقلبه.

حسن ظن
دخل الوزير على الخليفة الأموي الأخير وهو محاصر في قصره وقال له مشجعا:
- إني أرى زبالة ضوء في نهاية نفق الظلمة
فصاح مرعوبًا، إنهن الجواري من تركنه فاذهب وأطفئه.

دعوة صالحة
تناوله.. "بالسم"... فمات شبعانًا.

لبؤة
كان أسد "الحلو"* صغيرًا حين تبناه، نقله من الغابة إلى بيته حيث الحياة هناك أسهل وأنظف وأكثر رقيًا.. أنس له وظنه ابنه.. لكن الأسد لم ينس – كما يبدو – الغابة يومًا، لهذا افترسه – دون سبب واضح- أتذكر قصتهما الآن وأنتِ تنهين – دون سبب واضح – مكالمتنا الأخيرة.

*محمد الحلو  كان مدرب أسود في السيرك القومي المصري.

الاثنين، 14 سبتمبر 2015

حدث ظهرا


حدث ظهرا

الشمس كانت حارقة، الجو خانق، الأتوبيس مزدحم، وهي كانت واقفة تنز ماء من مسام جلدها، حين وفجأة وقف خلفها هو، حاله كان كحالها تماما، الماء ينز منه ويندفع.. رغم الزحام لم يحاول أن يلتصق بها رغم الشيطان الذى يوسوس له، ورغم انتظارها الذى كان يبدو واضحا من تأهبها لرد الصاع صاعين.. ربما تكون رائحة العرق هي ما منعه، وربما تكون "الخنقة" المحيطة بالجميع والتي لم يكن واحدا منهما في حاجة لزيادتها.. لكن هذا لم يمنعه أو يحرمه من أن يلاحظ قطرات العرق التي تندفع من فروة رأسها سالكة طريقا عبر عمودها الفقري تاركة بصماتها على بلوزتها الصفراء، حتى وصلت إلى بنطالها الأسود وهناك اختفت في الشقوق والأحافير، فتوقف ولم يترك لخياله مجالا لتتبع باقي الطريق، لكنه لاحظ أن ما يشبه سرسوبًا من المياه يندفع عبر عموده الفقري هو الآخر، وأنه وصل بسرعة إلى قدمه وغادرها إلى أرضية الأتوبيس.. فتنبأ بأن ماءها هو الآخر يتبع نفس المسار، وأنه  الآن ربما يكون مفارقا لها، ملتصقا بأرض الأتوبيس، فانحنى برأسه سامحا لجسمه بخلق المسافة الكافية كي يرى أرضية الأتوبيس، فابتعدت –هي- بحركة مفاجئة بوسطها للأمام، خالقة دائرة من الفراغ تشبه بطن الحامل، عندها اندفع ماؤه مسرعا فى اتجاه مائها.

الجمعة، 11 سبتمبر 2015

عن عنترة


عن عنترة

1
حين أنهى معركته الأخيرة لتحرير عبلة، رجع إلى سيده سعيدا ..
2
صبأ عبد شداد فقد خرج من ِعبودية القبيلة إلى عبوديتها.
3
حين سمع مالك بحبه لعبلة، لم يغضب كثيرا، لأنه كان يعلم أن حب العبيد مثل العبيد يمكن أن يباع.
4
عندما حاول أن يخفي حبه لعبلة عن القبيلة أخفاه في لون وجهه الصادم.
5
"فضلنى ربى".. "فالعبد الأسود أفضل من العبد الأبيض".. لا تظنوا به السوء، فلونه يحرره من مراقبة سيده له ليلا، مما سمح له بالتلصص  على عبلة
6
طلبت عبلة أن يبارزها واستلت السيف.. فأظهر "سيفه"، فأخفت وجهها وقالت: ليس عدلا.. فأخفى "سيفه"، فضحكت وقالت: ليس عدلا.. فاحتار في بحثه عن العدل. 
7
من تقبل النوق مهرا لها، تطلب العبد ليسوق هودجها.. لكنه لم يدرك الخدعة.
8
ذهب إلى عمه يسحب خلفه النوق، كان يظن أنها حل لعقدته، لكنه لم يكن يدرك أنه بهذا يرسخ عادات القبيلة ويعود بعبلة إلى زمن الهودج القبيح .
9
ذهب مع الرعاة عبد أسود.. فلما مرت على النوق الحمر لم تر رمحه المشرع.
10
كم مرة حررها والقبيلة من العبودية بالسيف، فلماذا بخُلت عليه بالحرية من سجن عينيها.
11
ذبح كل أعدائها حتى عقله، ولم ترض
12
خرج الحزن من بيتها وسكن قلبه منذ حدد أبوها ثمنها بالنوق الحمر.
13
سألته كم ناقة – ترى – أساوى ؟
فلمح فى قول أبيها " حب العبيد مثل العبيد ... " الجواب.
14
هَزَم كل أعدائه فى معاركه الطويلة حتى كاد أن يصبح الحُر، لكنه هُزم في معركته الأخيرة أمام قلبه، فظل عبدا لها ولهم.

الجمعة، 4 سبتمبر 2015

لبؤه - قصة قصيرة جدا



لبؤه

كان أسد "الحلو"* صغيرا حين تبناه، نقله من الغابة إلى بيته حيث الحياة هناك أسهل وأنظف وأكثر رقى.. أنس له وظنه ابنه .. لكن الأسد لم ينس – كما يبدو – الغابة يوما، لهذا افترسه – دون سبب واضح- أتذكر قصتهما الآن وأنتِ تنهين – دون سبب واضح – مكالمتنا الأخيرة.

*محمد الحلو  كان مدرب اسود فى السيرك القومى المصرى.