الثلاثاء، 17 نوفمبر 2015

حكاية الحلم والغني



حكاية الحلم والغَنِي


زمان.. زمان قوي.. كان فيه بنت فقيرة جدا، أفقر من سندريلا، وجميلة جدا، أجمل من ست الحسن، وبريئة جدا، أكتر من سحاب الدنيا اللي دايما بيغسل الدنيا ويطهرها.
وكان فيه رجل غني جدا، أغنى من قارون، وعجوز جدا أكبر من جن سليمان في السن رغم إنه عمره ما انحبس في قمقم ولا قال لملك لا، وشرير جدا أكثر من شهريار، لإنه كان عنده من قسوة القلب اللي يخليه  يدبح القلوب مش بس الرقاب.
الرجل دا في يوم من الأيام فكر في إنه يشتري الدنيا بحالها.. لأن في عقله جه خاطر، إن السعادة هي إن الدنيا تبقى بتاعته هو بس، ملكه هو بس.. مش لأي ملك أو لأي أمير.. ورغم إنه اشترى شركات ومصانع ومطاحن ومحلات ودكاكين بويا دهن بيها كل وش الدنيا شر إلا إنه دايما كان حاسس إن لسه فيه شئ في الدنيا مش ملكه هو اللي مسبب له التعاسة اللي دايما وطبيعي كان عايش فيها،  علشان كدا جهز أحسن وأجمل وأسرع حصان عنده وربط على وسطه سيف كان اشتراه من فارس عربي صدمه الواقع المرير اللي عايشاه المنطقة والعالم فقرر إن الزمن جه علشان يتخلى عن أحلامه وسيفه ويدفن نفسه.. فظهر – كما هي العادة في كل العصور-  اللي اشترى السيف بتاريخه في مزاد – علني - حر نزيه تحت إشراف دولي.
المهم إنه ركب الحصان ومسك السيف فبقى كل اللي يشوفه من بعيد من غير ما يعرفه ويعرف تاريخه يظنه فارس.. حتى هي لما شافته مرة في يوم من الأيام بيتكلم على شاشة  التليفزيون – اللي يوميا كان بيزورها تقريبا - بزيه وحصانه اتخدعت فيه – وده حصل في الحقيقة -  فحلمت بحضنه خاصة إنها كانت مشغولة دايما بالفارس اللي هييجي على حصانه الأبيض يخلصها من حياتها السودا دي والشقى اليومي دا بسيفه.
هي كانت بتعمل كل اللي تقدر عليه علشان توفر لقمتها وهدمتها، ماكنتش بتقول لا على أى شغلانة مادام الشرف مغلفها من برَّا.. تكنس شقة، تمسح سلم، تغسل مواعين، تروّق... تعدي على بيوت الناس تطبخ، و تاخد غسيلهم تشيل من عليه وسخات الأيام وتصرفاتهم وترجعه نضيف، في النهاية هي كانت بتحاول تعمل أي حاجة علشان تكسب لقمة عيشها من غير ما تبيع نفسها في زمن كان كل اللي مالوش لازمة في الدنيا بيبيع نفسه ويعيش غني أو في زى فارس، وفي النهاية هي كانت بتاكل لقمتها حتى لو متغمسة ملح  وتشكر ربنا وتنام وبالها مستريح زي الطفل الصغير.
في يوم، في رحلة بحثه عن حاجة لسه ما اشترهاش هو نزل قريتها الفقيرة البسيطة.. غريب زي أي  غريب دخل القرية.. نزل في فندق، لوكاندا، قصر الوالي، بيت مَلْك.. المهم إنه سكن في بيت بباب ودفا لكن من غير أهل، من غير ونيس، ونام على سرير مش بتاعه، وأكل  في طبق مش طبقه وطلب حد يغسل له هدومه.. وهنا ظهرت هيّ، وهنا شافها هو.. ولإن عنده حاجات كتير مالكها، وحاجات كتير اشتراها مابقاش يفتكرها.. فتح نوته الخاصة وبدأ يدور هي دي ملكه ولاَّ ملك أي حد تاني و لسّه ما اشترهاش.. لكن في النهاية رمى ناحيتها غسيله الوسخ فجمعته في طبقها البلاستك وراحت بيه لبيتها..
في اليوم دا هو ما نامش.. كان مشغول قوي، مش بيها لكن  بازاي وسط كل اللي اشتراه وامتلكه نسي يمتلك أو يشتري حد يغسل وساخة غسيله.. حد يخلي حياته نضيفة،  وقرر – مع نفسه -  إن زمنه جه علشان يكون عنده الحد ده. وفي اليوم دا هي راحت بيتها.. خرَّجت غسيله الوسخ، ورمته في طشتها اللي دايما مليان ميّة نضيفة وبدأت رحلة الغسيل.
 عجبها جدا لبس الفارس "حلمها"  خاصة بعد ما رجع – على إيدها - للونه الحقيقي، لما خلصته من الوساخة اللي كان سايبها عليه في رحلته.. في بيتها قالت لنفسها:
"كل اللي بتستناه بنت في الدنيا فارس بلبس زي ده، معاه سيف – كانت لسه لحد دلوقتي ما لمستهوش لإنه أصلا ماكنش لسه خرج من غمده- علشان يخلصها من دنيتها السودا دي، وينقلها للجنة في قصره".
 ونامت بالليل بتحلم بالفارس والجنة.. ولما جه النهار خدت غسيله المغسول وراحت له.. وقفت قدامه - وهو بيراجع نظافة الغسيل بنص عين/ بنص عقل، وبيراقبها ويسجل حركتها بنص عين في نص عقل – مستنية رأيه وأجرها و"حلمها".. ولما قلبه اطمن للنضافة رمى ناحيتها عينيه وحدف ليها صرة فلوس وقال لها:
- بتعملي إيه بالليل؟
"الحلم"
- بغسل
- طب وبعد الغسيل؟
- مافيش بعد الغسيل.. أنا بافضل اغسل لحد ما انكفي على الطشت واجيب نهار يوم تانى.
بص لها وفتح نوتّه من جديد يتأكد إنها مش ملكه وسألها
- إنتي ليكي أهل؟
"الحلم بيكبر"
- كان ليَّا زمان، أيام ما كان لسه في الدنيا أصول.
- طب واللي عايزك يعمل إيه؟
خبط حلم الفارس في رأسها.. "الجنة قربت".. قالت لنفسها، ورمت خيالها في حضنه بعد ما فرشت على سريره ملاية نضيفة، لمحت سيفه متعلق على الحيطة جوَّا غمده فشاورت على السيف.
- يعني مالكيش حد أشتريكي منه؟
شاورت من جديد على السيف.. رفعه من على الحيطة.. مسكه في إيده.. ماخرجوش من غمده، لكن مده ناحيتها.. حركت – بشهوة - صوابعها عليه، وكأنه سحر،  وقعت فى الحب، ووقفت مستنية أوامره...
- خلاص أنا قررت إني اشتريكي.. أنتي من النهاردا ملكي.. ابصمي هنا.
"الجنة بتقرب".. "السيف حلمي القديم".. كإنه سحر.. بَصَََََََََمت.. ورمت ابتسامة كبيرة على وش الدنيا، كأنها بتحاول تغطيها وتمسح حزنها اللي كان مغطي كل ماضيها..
بالليل.. هو طلع ع السرير.. هى حلمت باللي جي... شد بطانية ورماها على الأرض.. استغربت.. "ليه عايز يضيع حلمي؟!.. ليه يتخلى عن دور الفارس والسرير موجود والميدان مفتوح؟!".. لكن هي كتمت حزنها في قلبها، خزنت دهشتها في عينيها وفردت البطانية ع الأرض ونامت.
في حلمها.. هي غزت معاه مدينة وفتح بيها قلعة، وقعدها جانبه ع  العرش وصار فارسها فانتشت.
وفي حلمه.. هو رفع رجله ورماها ناحيتها وهى قاعدة ع الأرض منكسرة وحزينة، ففردت إيدها وبدأت تخلصه من تعبه وهي بتغسلها من مّية طشتها النضيفة.
وفي حلمها قامت ووقفت في قلب طشتها من غير هدوم تستحمى وهوواقف على راسها رافع سيفه يمنع عنها أطماع أي غريب.
وفي حلمه رمى ناحيتها غسيله ووقف على راسها يشخط وينطر لحد ما خرج غسيله من تحت إيدها زي ما طول عمره بيحلم بالغسيل.
وفي حلمها....
عارفين.. أهي دي مش حكاية جديدة.. دي يمكن تكون أول حكاية من حكاياتنا بتتكرر في الدنيا دي من أول ما ربنا خلقها.. كتير من الناس عاشها وشافها.. كتير من البنات ماتت مع أحلامها وهي بتغسل رجلين.. كتير من البنات والبلاد هرب منها الحلم مع صابون الغسيل وريحة رجلين فارس عمره ما طَلّعْ سيف من غمده علشان يدافع عن حد ولا عرف أصلا ازاي يستعمله.

الأحد، 4 أكتوبر 2015

بصيرة - قصص قصيرة جدا

                                                 

                      بصيرة – قصص قصيرة جدا

 مشروع مستقبلي
في ألف ليلة وليلة ... رمى القدر بالخيانة في حجر شهريار؛ فقرر الانتقام من كل الخائنات في كل كتب الحواديت حتى من كانت منهن ما تزال مشروعًا لم يتحقق بعد

بصيرة
لمحت في حلمي ليلى تراود قيسًا عن قصيدته، يلقيها في هواء الصحراء لتتلقفها أذن ابن ورد؛ فأخفيت قصيدتي في قلبي.

قصة الخلق
عندما أراد الخالق بدء الكون، فكر في ثلاثة أشكال، الرجل والمرأة والشيطان، لكنه حين  قابل وجهك – الباسم الجميل- اكتشف أنه أوجد الرجل  والمرأة الشيطان.

طيران حر
نشر غضبه – الجاهز دائمًا – على حبل أيامها، وقال لها مهددا ..
-    أنتِ حرة .
فاستنشقت عبير الحرية وفردت جناحاها طائرة من فوق سطح بيته.

محاولة هروب
كان دائمًا ما يضع على وجهه "ماسك " من المهابة؛ اتقاء لحرارة النظرات.

تبادل منافع
حاول أن يدعم العلاقة بينهما، فمد لها حبلًا من الود، فاستخدمته في صنع سلّم من الشوك لقلبه.

حسن ظن
دخل الوزير على الخليفة الأموي الأخير وهو محاصر في قصره وقال له مشجعا:
- إني أرى زبالة ضوء في نهاية نفق الظلمة
فصاح مرعوبًا، إنهن الجواري من تركنه فاذهب وأطفئه.

دعوة صالحة
تناوله.. "بالسم"... فمات شبعانًا.

لبؤة
كان أسد "الحلو"* صغيرًا حين تبناه، نقله من الغابة إلى بيته حيث الحياة هناك أسهل وأنظف وأكثر رقيًا.. أنس له وظنه ابنه.. لكن الأسد لم ينس – كما يبدو – الغابة يومًا، لهذا افترسه – دون سبب واضح- أتذكر قصتهما الآن وأنتِ تنهين – دون سبب واضح – مكالمتنا الأخيرة.

*محمد الحلو  كان مدرب أسود في السيرك القومي المصري.

الاثنين، 14 سبتمبر 2015

حدث ظهرا


حدث ظهرا

الشمس كانت حارقة، الجو خانق، الأتوبيس مزدحم، وهي كانت واقفة تنز ماء من مسام جلدها، حين وفجأة وقف خلفها هو، حاله كان كحالها تماما، الماء ينز منه ويندفع.. رغم الزحام لم يحاول أن يلتصق بها رغم الشيطان الذى يوسوس له، ورغم انتظارها الذى كان يبدو واضحا من تأهبها لرد الصاع صاعين.. ربما تكون رائحة العرق هي ما منعه، وربما تكون "الخنقة" المحيطة بالجميع والتي لم يكن واحدا منهما في حاجة لزيادتها.. لكن هذا لم يمنعه أو يحرمه من أن يلاحظ قطرات العرق التي تندفع من فروة رأسها سالكة طريقا عبر عمودها الفقري تاركة بصماتها على بلوزتها الصفراء، حتى وصلت إلى بنطالها الأسود وهناك اختفت في الشقوق والأحافير، فتوقف ولم يترك لخياله مجالا لتتبع باقي الطريق، لكنه لاحظ أن ما يشبه سرسوبًا من المياه يندفع عبر عموده الفقري هو الآخر، وأنه وصل بسرعة إلى قدمه وغادرها إلى أرضية الأتوبيس.. فتنبأ بأن ماءها هو الآخر يتبع نفس المسار، وأنه  الآن ربما يكون مفارقا لها، ملتصقا بأرض الأتوبيس، فانحنى برأسه سامحا لجسمه بخلق المسافة الكافية كي يرى أرضية الأتوبيس، فابتعدت –هي- بحركة مفاجئة بوسطها للأمام، خالقة دائرة من الفراغ تشبه بطن الحامل، عندها اندفع ماؤه مسرعا فى اتجاه مائها.

الجمعة، 11 سبتمبر 2015

عن عنترة


عن عنترة

1
حين أنهى معركته الأخيرة لتحرير عبلة، رجع إلى سيده سعيدا ..
2
صبأ عبد شداد فقد خرج من ِعبودية القبيلة إلى عبوديتها.
3
حين سمع مالك بحبه لعبلة، لم يغضب كثيرا، لأنه كان يعلم أن حب العبيد مثل العبيد يمكن أن يباع.
4
عندما حاول أن يخفي حبه لعبلة عن القبيلة أخفاه في لون وجهه الصادم.
5
"فضلنى ربى".. "فالعبد الأسود أفضل من العبد الأبيض".. لا تظنوا به السوء، فلونه يحرره من مراقبة سيده له ليلا، مما سمح له بالتلصص  على عبلة
6
طلبت عبلة أن يبارزها واستلت السيف.. فأظهر "سيفه"، فأخفت وجهها وقالت: ليس عدلا.. فأخفى "سيفه"، فضحكت وقالت: ليس عدلا.. فاحتار في بحثه عن العدل. 
7
من تقبل النوق مهرا لها، تطلب العبد ليسوق هودجها.. لكنه لم يدرك الخدعة.
8
ذهب إلى عمه يسحب خلفه النوق، كان يظن أنها حل لعقدته، لكنه لم يكن يدرك أنه بهذا يرسخ عادات القبيلة ويعود بعبلة إلى زمن الهودج القبيح .
9
ذهب مع الرعاة عبد أسود.. فلما مرت على النوق الحمر لم تر رمحه المشرع.
10
كم مرة حررها والقبيلة من العبودية بالسيف، فلماذا بخُلت عليه بالحرية من سجن عينيها.
11
ذبح كل أعدائها حتى عقله، ولم ترض
12
خرج الحزن من بيتها وسكن قلبه منذ حدد أبوها ثمنها بالنوق الحمر.
13
سألته كم ناقة – ترى – أساوى ؟
فلمح فى قول أبيها " حب العبيد مثل العبيد ... " الجواب.
14
هَزَم كل أعدائه فى معاركه الطويلة حتى كاد أن يصبح الحُر، لكنه هُزم في معركته الأخيرة أمام قلبه، فظل عبدا لها ولهم.

الجمعة، 4 سبتمبر 2015

لبؤه - قصة قصيرة جدا



لبؤه

كان أسد "الحلو"* صغيرا حين تبناه، نقله من الغابة إلى بيته حيث الحياة هناك أسهل وأنظف وأكثر رقى.. أنس له وظنه ابنه .. لكن الأسد لم ينس – كما يبدو – الغابة يوما، لهذا افترسه – دون سبب واضح- أتذكر قصتهما الآن وأنتِ تنهين – دون سبب واضح – مكالمتنا الأخيرة.

*محمد الحلو  كان مدرب اسود فى السيرك القومى المصرى.

السبت، 1 أغسطس 2015

جرافيتى

                                  

                                  جرافيتى 

حين شعرت أن النهاية على الأبواب، قررت أن أترك  للتاريخ بعض تفاصيل حياتى.. حتى لا تضيع  كما ضاع الكثير من أحداث زماننا الهامة. 
ولدت في بيت عادي لم يكن به إلا نافذة واحدة تطل على شارع ضيق جدا بالكاد كنت أستطيع - حين كبرت- أن أعبره بالنظر لأسقطه على صدر بنت الجيران - طائرا جارحا -  والتي أبدا لم ترني رغم قرب المسافة وحرارة النظرات.
كانت  مدرستي الأولى قريبة من بيتنا، في يومي الدراسي الأول تعرفت على صديقي الأول،  كنا نشترك في خصال كثيرة، المريلة التي بالكاد تخفي الجسد، الحذاء الذي تعبره الأصابع بلا خجل، والدموع التي ترفض ترك حضن الأم، جاءت جلستي بجانبه كأن القدر كان يعدنا لذلك الأمر الهام الذى حدث، لكني في حينها لم أنتبه، رغم ذكائي المتقد وعبقريتي التي تفجرت منذ اليوم الأسود الذي انفصلت فيه عن حبل أمي السري، وجدت على وجهه نفس الدموع فشاركته بأن جعلت  صوتي مصاحبا لدموعه، وانتصرنا معا على المدرسة - أو هكذا اعتقدنا- فذهبنا إلى  البيت عند انتهاء اليوم الدراسي.
لا تحمل الذاكرة حوادث كثيرة في تلك المرحلة..  فقط..  صفعة على الوجه من مدرس كرد فعل على إجابة خاطئة، عصا أو اثنتان وربما ثلاثة من مدرس لتأخري عن بداية اليوم الدراسي، "تزنيب" من ناظر لأنى لم أسدد المصروفات، ولم أحصل في الوقت المناسب على شهادة الفقر، وضحكات مصحوبة بسخرية مُرة من الأصدقاء لأني تبولت على نفسي في حصة الدين،  حين عجزت عن تسميع آيات من الذكر الحكيم، تفنن يومها مدرس الدين في إظهار عذاب رب العالمين.. ولعنات كانت تتخبط في حوائط الفصل لتعود – دائما- تصطدم بوجهي حتى أنني حين غادرت المرحلة الابتدائية كانت قد غطت براءة الطفولة المرسومة على وجهي بعض الغرز والندوب التى لم تفارقه وروحي  حتى متّ.. ويبقى فقط، أني في هذه المرحلة لمحتها صورة للبراءة فأحببتها، وحكيت عنها في ليلي، وصرت أغضب من نفسي ولنفسي  كلما وجدتها وهي التي تشاغلني طوال الليل في نومي   تلاعب الآخرين وتهملني طوال النهار في يقظتي،  وفقط.. انسحبت من خيالي فجأة وحل مكانها فراغ كبير..  قد تستغرب حين تعرف أني حتى الآن أضحك من نفسي وأندم وأتمنى أن يتحقق المستحيل ونتعارف من جديد.

اليوم  الذي وقعت فيه الواقعة

لبعض الأيام رائحة خاصة.. يومي كان من هذه الأيام.. لم أحبه ولم أحب رائحته.. حين فتحت عيني كانت الشمس تغازلني عبر النافذة الضيقة.. أنا أرفض هذا النوع من الغزل لذلك أغلقت النافذة في وجهها وحاولت أن أستعيد النوم.. لكنه يبدو كمن هرب من نافذتي المفتوحة.. لذلك لم أجد بدا من أن أبدأ يومي.. "لبعض الأيام رائحة خاصة".. لكني في حينها لم أربط بين هذه الرائحة وما سوف يحدث... فقط بعدها بسنوات وأنا أجالس الوحدة والخوف والظلام المحيط تذكرت هذا اليوم وهذه الرائحة فأسفت لأني لم أكن أملك قدرة رؤية كتاب الغيب وصفحاته، ذلك الكتاب الذى ردد دائما اسمه مدرس الدين حين كان يمارس لعبته المفضلة في قرأته علينا.. لنعلم أى مصير أسود سيكون لنا في مستقبلنا البعيد.. فقط خرجت من البيت كما اعتدت أن أفعل آلاف المرات.. سرت في طريقي الذى أحفظه ويحفظني.. مررت بكل من كنت أمر بهم وبه  من قبل.. الجديد فقط في هذه المرة هو أن الشوارع كانت مزدحمة بالسكينة.. هدوء لم أره ولم أعتده في الشوارع.. لكني من كثرة ما قابلت في حياتي لم أتعجب وسرت.. فجأة انتبهت على ضجيج وأصوات صاخبة قادمة من بعيد.. "ربما هو ضجيج الشارع المعتاد واشتباكاته المعتادة تعود إليه".. قلت لنفسي وسرت.. حتى وصلت إليهم أو وصلوا إليّ.. لم أحبهم يوما، ولم يطمئن قلبي لخطواتهم يوما.. لذلك كنت دائما ما أترك لهم منتصف الطريق وأكتفي بالاحتماء بالحائط والتسلل هربا عبر شقوقه.. لكني في يومي هذا لم أجد منفذا أو حائطا فتوقفت والتفت خلفي.. كانت الشوارع ماتزال فارغة.. هل أعود من حيث جئت؟.. هل أكتفي بهذا القدر من يومي وأغادره في انتظار غد آخر ويوم جديد؟.. لم يمهلني القدر .. فقد لمحت الجانب الآخر وهو يمتلئ فجأة.. كأنهم هبطوا من السماء.. لم يكونوا ملائكة بثياب بيضاء وأجنحة، ولم يكن لهم سلوك وتصرفات الشياطين وعبثهم.. لكنهم تواجهوا.. كنت أنا  الأقرب فحاولت الفرار مما توقعت حدوثه.. لكن المنفذ كان مغلقا والقدر يعد للأمر عدته.. "لا مهرب لك اليوم".. "لامهرب لكم".. وبدأ الاشتباك.

يوم من تاريخ موازِ

تذكر أنه لم يكن له أب ليعرفه.. أنه تربى في حضن أم لا تجد طعامهما بسهولة.. تذكر أنه حقق معه وهو بعد طفل.. وأنها اشارت إليه.. فلم يجد بُدا وهو بعد الرضيع من أن يقول لهم:
-    لم أفعل، ولكني أحمل الأسف في داخلي شعلة أبدا لا تنطفئ..
ضُرب وسُحل وعُلق على صليب الأيام حتى نزف كرامته وكرامتها.. شرفه وشرفها.. لكنه في النهاية أوصلها إلى قبرها وصعد إلى سمائه حيث كان يظن الأمان.

الواقعة

كانت الفوضى.. كأنه يوم القيامة والكل يبحث عن النجاة.. "لا منفذ لك".. "لا منفذ لكم".. تصاف الفريقان.. أنا المحايد بينهما..  تمنيت فقط أن أغادر هذا الموقف سالما مسالما.. الحجر الأول فقط هو ما لمحته..  قنبلة الدخان الأولى فقط هى ما رأيتها.. قادتني خطواتي  العمياء إلى التخبط والوقوع أكثر من مرة.. وال...


وصف سابق للحادث


"ويكون أن الهارب من صوت الرعب يسقط في الحفرة، والصاعد من وسط الحفرة يؤخذ بالفخ، لأن ميازيب من العلاء انفتحت، وأسس الأرض تزلزلت، انسحقت الأرض انسحاقا، تشققت الأرض تشققا، تزعزعت الأرض تزعزعا، ترنحت الأرض ترنحا كالسكران، وتدلدلت كالعرزال، وثقل عليها ذنبها فسقطت ولا تعود تقوم"*

عودة للواقعة

هناك عاودني الحلم القديم، هى بفستانها الأبيض الذي دائما ما حلمت بها داخله، ضحكتها التي تفيض كالنهار فتدهن الدنيا وتبقيها ناصعة، خطواتها التي تدغدغ وجه الأرض فتنشر البهجة في أرجائها.. أراها تمد لي اليد، تشدني، تدفعني بعيدا عن الغمام الزاحف، كانت قدرتي على تحريك الجسد معدومة، رفعتني على يديها وسارت، كانت رائحتها تملأ أنفي وتطرد روائح الغازات والدخان.. أسندت رأسي على صدرها وانتشيت.

يوم موازِ

ارتطم وجهه بشئ ما.. كان هو يبكي.. تذكره وهو يقطع طريق الآلام مسحوقا بالوحدة.. ليس الألم هو الوصف الصحيح، فليس هذا ألما، وليس هذا هو العذاب.. خُلعت ملابسه، مُزقت أمامه، ضربات السياط حولت الجلد لقطع من القماش مُزق أمامه، اللحم المفروم - كأن سياراتهم مرت عليه - سكاكينهم أخذت منه ما يكفي كي يكون طعاما لكلابهم، الصليب على كتفه أثقل من ذنوبه، السباب يتناثر كذباب حول طبق أصبح خاليا من الطعام، ليس الاسم مواكبا للوصف..  "كنت أتمنى أن ينتهي الطريق، لكني أعلم أن في نهايته سيبدأ على الصليب عذابي الحقيقي وموتي الذى لا يأتي أبدا".

عودة للواقعة

رغم أني لم استطع أن أرفع الوجه لأعلى إلا أني لمحت القادم إليّ – عسكري هزيل مزقته الأيام كما مزقتني من قبل-  يرفع عصاته ويهبط بها باتجاهي، لا أعرف لماذا استعدت صورته  الآن  بهذه  المريلة التي بالكاد تخفي الجسد، الحذاء الذي تعبره الأصابع بلا خجل.. استعدت فجأة قدرتي على الحركة.. فأبعدت الرأس عن العصا.. لكنها اصطدمت بالذراع  فشعرت كأن سكينا قد قطعته، فصلته عن الجسد، وترنحت تحت تأثير الضربة، فاصطدمت من جديد بالأرض، هذه المرة لم أر وجه من ضربني من جديد.. ولم أحاول أن أرفع الرأس.. فقد غلبني ضعفي واستسلمت للضربات.. فقط شعرت أني أقف من جديد أمام مدرس الدين، وأني من جديد أستعيد سنوات تمنيت أن لا أعيشها وأن تنتهي..

يوم موازٍ

بدأت المسامير في اختراق الجلد واللحم والعظام، وصلت حتى سُمع دقاتها في الخشب، فقدت يده القدرة على الحركة، لم يعد الصليب سوى جزء لا ينفصل من الجسد المعلق.. الألم لا يمكن أن يكون هو الوصف الصحيح لما يشعر به.. إن جهنم تخرج من كفّتى يديه، من قدميه.. الشوك المرشوق في الرأس يصرخ بصوت عالٍ، يرمي طبلة الأذن بآلاف من الحجارة تنتقل كلها إلى عقله كلمات..

عودة للواقعة

حين استعدت وعيي من جديد كنت ملقى فوق القمامة.. وجهي مغطى بالدم، لم أعرف هل هو من إصابة فيّ، أم من الجثث التي تثقل على بدني وأشعر بدفئها عليه، حاولت أن أحرك جسدي ونجحت لكني في محاولتي أسقطت العديد من الجثامين الساكنة فوقي... استطعت أن أنقلب على وجهي فلمحت نصف سماء فقط وبعض الوجوه البعيدة تختفي خلفها تنظر لي  وتشير  أن أستعد للصعود..  هززت الرأس، فتساقطت الوجوه واستعدت جزءا جديدا من الوعى  مصحوبا بجزء جديد من القدرة على الحركة وجزء محدود من الألم.. حاولت الجلوس لكني فشلت.. هذه المرة تفجر الألم من جسدي.. شعرت بالعظام تغوص في لحمي..  فتوقفت عن المحاولة تماما، وعدت من جديد إلى غيبوبتي.

يوم موازٍ

نَظر إلى من يجاوره على الصليب.. لصان جريمتهما قادتهما إلى هذا المصير، أما هو فقد كان ما كتب عليه هو ما قاده إلى صليبه.. لذلك حين أشار أحدهما باتجاهه وطالبه بالفعل.. صمت.. "هو في الأعلى يَرى ويَسمع ويُقدر ويَعرف متى يكون الفعل.. أما أنا فمجرد حجر أَلقى به على الأرض ولا يستطيع الارتفاع إلا باختلال القانون".. صَرخ فيه..  "أنْ افعل.." لكنه للحظة ظن أنه مثله مُعلقا هو الآخر على صليب كتابه المحفوظ، وأنه لا مهرب لهُ .. لا مهرب لي.. فاستسلم للقدر وصرخ فأتى ليل أشد سوادا من ليل صاحبه الملقى فوق القمامة.

عودة إلى الواقعة

حين فتحت عيني هذه المرة لم أر.. كان الهدوء من حولي يسود.. الهواء له رائحة مختلفة، وطعم مختلف.. حاولت تحريك يدي.. فشلت.. شعرت أنى معلق على صليب.. اخرجت صوتي صارخا.. انتبه منْ حولي للصوت المبحوح.. مد يده – شخص ما – إلى يدي... مسدها بهدوء.. واقترب من أذني التي مازالت مغلقة بالحجارة.. "حمد الله على سلامتك"..

*- اشعيا




الثلاثاء، 14 يوليو 2015

ليلة قدر


ليلة قدر
قصة قصيرة

حين استمع إلى خطبة إمام المسجد؛ عادت له طفولته.. مدرس التربية الدينية.. التى مازالت علامات عصاه تلون روحه وذاكرته.. كثيرا ما حدثهم عن ليلة القدر، وكثيرا ما قال لهم انتظروها فى العشر الأخيرة من رمضان، وكثيرا ما ظل ساهرا..
 لم يكن يومها قد فتح بعد صفحة الأحلام.. لكن هذا المدرس فتح له بابها.. فكان يتمنى أن يقابل ليلة القدر ليطلب من الله أن يختفى مدرسه من حياته، أو يُدخل آياته فى قلبه فلا ينساها ويهرب من مصير دائما ما يقابله فى كل حصص الدين... ذكره إمام الجامع بالحلقة المدورة فى السماء.. الضوء الذى ينير فجأة.. باب الأحلام الذى يُفتح فتتحقق كل الأمانى والامنيات...
دخل حجرة نومه.. شاهد على سريره شيئا ما يتحرك.. لم يدرك ما يشاهده فى أول الأمر... لكنه لم يتسرب إلى قلبه الخوف قيد أنملة.. لذلك اقترب.. كانت هى... حلم قديم وقد انزاح عنه وعنها الغطاء.. فبدت أمامه دوائر من الضوء الأبيض الناصع... تأملها طويلا.. يعرف أنها تظهر كلمحة عين.. لذلك أسرع برفع يده للدعاء... فتحت عيناها على صوته المرتفع.. ورسمت على وجهها ابتسامة حانية.. فزادت مساحة الضوء حول وجهها الصبوح.. دعته إليها... انزل يده المرفوعة بالدعاء... استجاب.