الأحد، 28 أكتوبر 2018

القرية والجنون- قصص قصيرة جدا


القرية والجنون
قصص قصيرة جدا

أخبار سعيدة
الطائرة الورقية التى هددت مواقع صواريخ العدو العابرة للقارات، كانت تحمل عبر صفحاتها أخبارا صباحية جديدة، إذ بشرت الأطفال والنساء المحاصرين والجائعين بقرب رسو سفينة الألبان –التى يموتون لنقصها-  على شواطئ العدو الذى يحاصرهم.

القرية والجنون 
قذف الطفل الكورة إلى أعلى وانتظر، لكن الكورة لم تسقط.... ثلاثون عاما، خمسون عاما، ألف عام....  حين قص على الآخرين قصته اعتقدوا فيه الجنون، صار أضحوكة القرية.. لكن الزمن لم يتوقف طويلا هنا.. فالقرية هى القرية، أما الكورة فقد تغيرت.. ظهرت عليها الحياة.. نمت الطحالب.. الأسماك.. انقسمت الكائنات فوقها إلى برية وبحرية.. ثم ظهرت الرئيسيات، وانقسمت وانقسمت وانقسمت.. وظهر طفل يحمل كورة.. وتدرب وتدرب وتدرب.. حتى استطاع أن يقذفها لأعلى وانتظر.. 

موسم للنسيان
كان يُسْكنّها على عينيه، ثم يقضى الساعات الطوال فى البحث عنها، فى البداية كانت تجن، تبعثر الآشياء من حوله، تنفض الضوء لتبعد عنه الغبار، لمساعدته فى رحلة البحث... لكنها بعد مدة ملت أفعاله واعتادتها فاكتفت بالحياد، خاصة بعد أن كتب له الطبيب (برشامة) يبلعها كل صباح لتساعده فى العثور عليها.

حجرة ضيوف
فى الصالون، علق النجفة، وصورة الزفاف، ولوحة لمركب يعبر نهرا هائجا.. وأغلق بابها فى انتظار الضيف.. 
فى النهاية، كل من يدخل الحجرة يشده صورة العجوز الملتصقة بسارى مركب يقودها هيكل عظمى لرجل وسط شلالٍ من الضوء يجرى كأنه نهر من المياه.

مرآة 
تنتظرنى كل صباح لأطارد بقعة الضوء التى تعكسها على حائطى المقابل لها، والتى لم أفلح يوما فى الإمساك بها رغم أنها تتحرك ببطء شديد على الحائط، وتظل معلقة عليه وقتا يسمح للآخرين أن يلمحوا فشلى ويسجلوه فى كتبهم.

نفوس
يوما ما، ذهب رجل إلى السوق ليشترى بضاعة، فما وجد فى السوق إلا النفوس المريضة الضعيفة، فلم يشتر وعاد إلى بيته حزينا.. سألته زوجته -حين رأت حالته هذه- عن سبب حزنه وعدم شرائه بضاعة، فقال لها إنه لم يجد سوى النفوس المريضة الضعيفة والتى لن تتحمل بضاعتها عناء الدنيا فتَفْسد وتُفْسد الصالح.. عرف الحزن طريقه إلى قلب زوجته، ولكنها قالت له: أصبر فإن الله مصلح الأحوال إن شاء الله.. ونام يفكر فى الأمر، فأتاه فى منامه من قال له إنّه يمكنه أن يشترى من السوق هذه النفوس ويطعمها من هذه الشجرة، وأعطى له العلامة لتَصلح وتُصلح.. ومن يومها الرجل يذهب إلى السوق يشترى من النفوس الضعيفة المريضة ما يحتاج إليه ويطعمها من شجرة العلم فيصحوا ويَصْلُحوا ويُصْلحوا.

الاثنين، 16 يوليو 2018

مجرد موضوع


مجرد موضوع
قصة قصيرة 

بدأ الموضوع ببوسة على الخد، وانتهى بالنوم على السرير، فى المنتصف كان فيه حشو كتير.. منه.. إنها قابلت راجل قدر يعمل شقة قبلى فاحتمت بظل الراجل وسابت حيطتى المايلة، ومنه.. إنها خلفت ولد سمته على اسمى، وإن ابنها فى يوم من الأيام سألها مستغرب عن معنى اسمه، وزاد كُرْه له لما عرف معناه.. وإنها نصحتنى بالجواز لما لقتنى لسه باحلم، ونشطت فى البحث عن عروسة، لكن دائما كانت بترفض كل اللى يقع فى الطريق قُدّامها لأنها مش شبهها، ومش هتقدر تتعامل مع رومانسيتى من وجهة نظرها، ومنه..  إنى قابلت ابنها فى يوم ولما عرف إن اسمى يشبه اسمه اتشائم وخاف ليكون مستقبله زى مستقبلى.. فحزنت، لكن قدرت امنع الحزن يدخل قلبى وفضلت شايله فى عيونى دموع، كانت دائما بتخلى عينى تلمع كل ما المحها.. ومنه.. إنها جابت بنت تشبه قوى جوزها، فرفضت أحبها رغم إنها حتة منها، ورغم إنى ممكن أكون شاركت فى تكوينها ولو حتى بالخيال، ومنه..  إن العربية - اللى خبطتها وخلتها تنام على السرير النومة دى، وإدتها  بعد فترة قصيرة لقب المرحومة رغم صغر سنها وعيالها اللى بيدوروا عليها وينادوها فى احلامهم لحد النهارده-  اسرعت هاربة وقُيدت الحادثة ضد مجهول.

الأحد، 28 يناير 2018

فى يوم عادى




في يوم عادي
قصة قصيرة

خرج من حجرة نومه - جلبابه الأبيض واسع زاهٍ، عاري الرأس من عقاله - إلى الصالة الواسعة، جرجر قدميه العاريتين حتى وصل إلى باب الثلاجة، فتحه وشرب من مائها المثلج، أغراه طبق الحلوى العاري أمامه، فملأ منه فمه، وأمسك في يده ما استطاع إمساكه، ثم أغلق الباب واتجه إلى الحجرة من جديد، شد نظره على شاشة التلفاز – التي تحتل جدارا كاملا من الصالة -  أن الطفل الذي يقذف الحجارة على العسكري المدرع كان خفيف الوزن يطير كأنه ريشة، وأن القنابل الدخانية التي تسقط من حوله تضيف إلى الصورة هالة أسطورية، فيظن الرائي أن زيوس يعود من غفوته ويسترد مكانه كإله للبشر من جديد طاردا باقي الآلهة إلى الجحيم أو إلى الصقيع حيث موطنهم الأصلي، سحب نظره من فوق الشاشة وضوئها واتجه إلى الحجرة، الباب الموارب كشف له عريها الذي يناديه، أفرغ يده في فمه وواصل المضغ والبلع، ثم أسرع يجرجر قدميه تجاه الباب وأغلقه خلفه.

الأحد، 24 سبتمبر 2017

صباح يوم عيد



صباح يوم عيد
قصة قصيرة

البهجة تغسل الشوارع، الأطفال في كل مكان يرتدون الجديد الزاهي ويمرحون، لكنه هو.. أيقظته أمه ودموعها على خدها، قبلته.. نعم.. لكن الحزن الذي كان يغسل قلبها ألقى بمائه على وجهه هو الآخر ربما حزنا عليها.. مسحت عن عيونه الدموع، وطلبت منه أن يستعد للخروج.
 كما الأطفال استيقظ مبكرا، وكما الأطفال كان يحلم بالعيد والشارع والثياب الزاهية الجديدة، لكنها أخرجت له نفس الثياب القديمة، وارتدت نفس الجلباب الأسود القديم، وأمسكته من يده وحملت في اليد الأخرى شنطة كبيرة وصارا في الطريق..
خطف نظره ألعاب الشارع، وملابس الأطفال والبالونات التي تطير بغير صاحب، كان يتمنى أن يسرع خلفها مطاردا، لولا يد أمه التي تشده شدا ليسرع.. لم يمر بهذا الطريق من قبل، لم يقم بهذه الزيارة من قبل، لكنه كان يحفظ التفاصيل من وصف أمه المتكرر والمعتاد لها وحديثها الدائم عن الزيارة الواجبة واللازمة إلى قبر الأب، والطقوس التي تصاحبها.. الرحمة التي توزع على روح الأب لتطهره من سيّء الأعمال، القرآن الذي يردد فوق قبره ليخفف عنه عذاب القبر الذي سيستمر حتى يوم قيامته .. لذلك حين وصل إلى محطتهما الأخيرة / قبر الأب المحاط بالأصفر الذي يشاهده للمرة الأولى لم يشده الأمر كثيرا ، حتى عيون أمه التي تفجرت بالمياه لم يطل النظر إليها، فقط وجه اهتمامه إلى  الأطفال الآخرين الذين كانوا يدورون حولهم، متخذين من شواهد القبور سواتر يستترون خلفها في لعبة "الاستغماية" التي يعرفها جيدا.. نظر قليلا، ثم تحرك للمشاركة.. كانت أمه قد غابت  في عالمها الخاص – حيث لقاؤها الأول بزوجها وحبيبها منذ انفصلا عن بعضهما بموته- منفصلة عنه تماما، لذلك لم تلتفت إليه أو تعره انتباهها، بدأ الأمر من جانبه على حذر.. مجرد مُشاهد منتبه، ثم ومع إشارة الآخرين شارك بحماس.. اختفى خلف السواتر.. أَمسك وأُمسك.. تعارفوا وتنادوا بالأسماء وحكى كل منهم للآخر حكايته أو حتى مجرد حكاية.. يوم طويل لكنه في النهاية حين أفرغت أمه شنطتها وعيونها، أمسكته من جديد بيد وبالأخرى حملت شنطتها الفارغة، وسحبته خلفها، سايرها لكنه كان يحلم بالعيد القادم، والزيارة الواجبة واللازمة  القادمة حيث الصحاب على وعد باللقاء.

السبت، 5 أغسطس 2017

نهاية حرب



نهاية حرب
قصة قصيرة جدا

حين بدأت الحرب أراد بيتنا أن ينجو بنفسه من القصف المتواصل، فتحرك مسافة كافية كى يبدو – من وجهة نظره- على الحياد.. وهناك توقف بجوار بيوت كانت تبدو مثله مسالمة وظن أنه نجا، لكن الحرب لم تكن تأمن لمن يهادن أو يسالم أو يلزم الصمت أو يهاجر.. فطاردت بيتنا؛ فمات منه عشرة، غرق بهم قارب كانوا يصيدون به الأمل قرب الشواطئ الأوربية.. ومات ثلاثة تحت جنازير عربات مدرعة كانت تهم بمغادرة حارتنا- التي انسحب إليها بيتنا - منسحبة تاركة لنا دخانها محاصرا معنا، ومات.. ومات..  ومات..  أما أخر من كان لنا فقد وقعت عليه جدران البيت دون أن تطاله قذيفة واحدة.. هكذا فقط سقط.. يأسا، حزنا، ألما.. ربما.. لكن المؤكد أنه حين دخلت دبابات الآخر ومرت من حارتنا- حيث استقر بيتنا - لم يكن هناك جدار يعكس ظلا لمحارب أو يرمي ظلا على وجه محارب يستجير به من نيران القلوب وحقدها.

الجمعة، 30 يونيو 2017

حكاية تراثية


حكاية تراثية 
قصة قصيرة جدا
 
يقال أن رجلا مرّ بالمسجد ليلا، فوجد امرأة تصلى، فسألها: لمن الناقة؟
فقالت: لسعد بن وهدان.
فذهب واشتراها.
الآن معه ثروة "تقدر" بثلاثة ذكور، حزين يبحث عمن يشترى.

الاثنين، 24 أبريل 2017

إنذار حريق



إنذار حريق
قصة قصيرة

رنين الهاتف أيقظَه، حرَّكَ سماعة أذنِه لالتقاط صوتها البعيد، كانت تحدِّثه مِن منطقة بعيدة في قلبِه، أنصَت صامتًا بعد أن تحكّمتْ في لسانه، فلم يعُد يستطيع النطق أمام حبال كلماتها التي كبَّلَته والتي يبدو أنها قد أعدّتها وجهّزتها لِتُتم بها جريمتها التي تَحدث الآن.. هذا لا يمنع مِن أن عقله كان يعمل بمنتهى السرعة لينقِذ نفسه مِن ورطته تلك وحصارِه هذا، لذلك فقدْ أسرع في محاولة  يَائسة لمنع إتمام الجريمة بإغلاق باب قلبه الداخلى – لمنع خروجها-  بمفتاح حبِّه، ثم شَد الباب الحديدي الخارجي – لقلبها-  والذي كان قد اشتراه ودَفع تكاليف تركيبه في مكانه بعد ملاحظته أن بعض العيون تتلصص عليها وتحاول التسلل إليه في الفترات الطويلة التي كان يضطر بسبب كلماتها الحارقة الحادة إلى الابتعاد عنه تارِكَه لها وحدَها..
الآن..  تقول له.. إنها لن تستطيع البقاء.. صَمَتَ..  إنها قد فتحت الأبواب في غيابه.. أطرق برأسه..  إن هناك مَن دخل دون أن.. أدري أو أنتبِه..  وإنه أدار قلبها في اتجاه آخر مما جعل قلبها يفقِد إشارات قلبه، فلم تعُد تتلقى كلماتِه ولمساته على قناة الحُب التي كانا يلتقيان عليها مِن قبل ويشاهدان حياتهما مِن خلالها.. فرّت الدمعة الأولى منه.. ثم تركت سماعة أذنِه مفتوحة في العراء لتصل إلى سمْعه ضوضاءُ عالية مصحوبة بصافرة طويلة حادة كأنها إنذار بأن شيئًا ما يشتعل، لم يكن أمامَه الكثير من الوقت ليفكر في فِعل ما يجب لإنقاذ الموقف ومنْع امتداد الحريق، لكن في محاولة منه لإطفاء النيران المشتعلة داخله وإيقاف هذه الصافرة الممتدة  والتي تمزق طبلة أذنِه الداخلية.. ألقى بنفسه المشتعلة في نهر الدموع الذي كان يتجمّع تحت قدميه واستسلم تمامًا لمياهِه الراكدة وأسماكِه الحية / ذكرياته  التي كانت – مثلَه- تشكو الجوع!